صورتان للمشهد اللبناني: واحدة من نيويورك، نجح الرئيس ميشال سليمان في تحشيد دعم دولي له تتعلق بالاستقرار وضرورة حمايته، بما في ذلك سياسة تحييد لبنان عن الصراعات الدائرة في سوريا، والثانية في بيروت تكتنفها ضبابية المواقف المتباينة من هيكلية الحكومة العتيدة بين صيغتين، اولاهما صيغة 8+8+8 المدعومة من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف وقوى 14 آذار، وثانيها صيغة 9+9+6 التي يميل اليها الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط ويدعمها حزب الله وربما التيار الوطني الحر.
ومع ان ثمة اجماعاً على تحييد لبنان عن الصراعات السورية وتأليف حكومة جديدة تكون قادرة على مواكبة المؤتمرات الدولية الخاصة بدعم لبنان سياسياً ومالياً ليتمكن من الوفاء بالتزاماته حيال النازحين السوريين، فإن المقربين من الرئاسة الاولى يعتبرون ان المحادثات التي اجراها الرئيس سليمان في نيويورك، سواء مع الرئيس باراك اوباما او الرئيس الايراني الجديد حسن روحاني، او وزير خارجية الاتحاد الروسي سيرغي لافروف ومسؤولين عرب واجانب كبار، على هامش مشاركته في اجتماعات نيويورك، وصولاً الى الزيارة المقررة للمملكة العربية السعودية في الايام القليلة المقبلة، من شأنها ان ترجح الخيارات الرئاسية ازاء الملف الحكومي الذي لم يعد يحتمل اي تأخير، لا سيما وان لبنان من الدول المحيطة بسوريا، وانه معني بمعالجة الازمة هناك، سواء عند دعوته الى جنيف- 2، كما اكد الوزير لافروف، او لتسويق خطته لاحداث توازن على صعيد استيعاب النازحين السوريين وتقديم ما يلزم لهم من خدمات من ايواء وتعليم وصحة واستشفاء.
ويؤكد هؤلاء المقربون لصحيفة «اللواء» ان الرئيس سليمان مستعد لمواكبة الرئيس تمام سلام في اي صيغة يرتئيها اذا كانت تحظى بدعم القوى السياسية الاساسية وكتلها، مع الاشارة وفقاً للمصادر اياها، ان صيغة 8+8+8 ليست نهائية بعد.
واستباقاً لعودة الرئيس سليمان من نيويورك والمحادثات التي يطمح اجراؤها مع القيادة السعودية، وفي مقدمها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، رفعت قوى 8 آذار من منسوب معارضتها للصيغة المطروحة، والتي ما زال الرئيس المكلف يدافع عنها، لانها تنسجم مع الشعار الذي حدده لمهمته بأنها حكومة مصلحة وطنية ولا تعطي الثلث المعطل لأي طرف.
وذهب حزب الله الى ان حكومة 8+8+8 هي حكومة أمر واقع ولن تحصل على الثقة. في حين انضم النائب جنبلاط الى كل من الرئيس بري والنائب ميشال عون في عدم تحبيذها، مطالباً بإعادة النظر بهذه الصيغة والبحث في حكومة جامعة قادرة على التصدي للمشكلات الكبرى في البلاد.
واستغرب جنبلاط الذي سيزور قصر بعبدا، فور عودة سليمان من نيويورك، ما أسماها «بالخبرية» التي انتشرت أمس في صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، مشيراً إلى أن ما ورد في الصحيفة المذكورة يتناقض مع ما سبق وأعلنه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف حول الحكومة الجامعة، مؤكداً أنه من الأفضل تفادي إمكانية الدخول في مساعي الوصول إلى حكومة قد تعتبر غير ميثاقية من البعض، والأفضل أن لا تكون حكومة تُقصي أحداً.
ونقلت قناة «المنار» الناطقة بلسان «حزب الله» عن مصادر سليمان بأن ما نقل في الصحيفة الفرنسية عن مهل حاسمة حددها لتأليف الحكومة غير دقيق، مشيرة إلى أن وقت التأليف طال، لكن ما قصده الرئيس سليمان عن المهل هو المبادرة لإقناع القوى بتخفيف الشروط، وأنه ليس في وارد توقيع مراسيم حكومة أمر واقع.
واللافت أن كل هذه المواقف والتسريبات، جاءت من ضمن حملة سياسية مبرمجة من فريق 8 آذار على ما تردد بأن الرئيسين سليمان وسلام اتفقا في آخر اجتماع عُقد بينهما في بعبدا على السير بحكومة سياسية جامعة، وفق صيغة 8+8+8، الأمر الذي وصفه هذا الفريق بحكومة «أمر واقع» نصح الرئيس بري خلال لقاء الأربعاء النيابي «بعدم الاستمرار في الحديث عنها، لأن لا مصلحة في ذلك على الإطلاق»، وبالتالي الضغط باتجاه صيغة بديلة قد تكون 9+9+6 التي يرى بري وجنبلاط أنها الصيغة الأنسب للمرحلة الحالية الانتقالية، عشية الانتخابات النيابية في حال حصلت في موعدها المقرر بعد حوالى سنة.
وكانت مصادر سياسية مطلعة قريبة من بعبدا، قد أبلغت «اللواء» بأن صيغة الثلاث ثمانات ما تزال شعاراً مطروحاً لم يشق طريقه نحو الترجمة العملية، مشيرة إلى أن الرئيس سليمان ينتظر ما سيحمله إليه الرئيس المكلّف بعد عودته من نيويورك، وإلى أنه سيتشاور معه فيما إذا كانت هذه الصيغة مطروحة في التصور المقترح للتشكيلة الحكومية، وسيعمد الى دراسة سلبياتها وإيجابياتها وتقدير من يتفوّق في ذلك.
وقالت هذه المصادر أن الرئيس سليمان مستعد لمواكبة الرئيس سلام في حال نجح في إقناع القوى السياسية بهذه الصيغة التي لا يمكن القول أنها نهائية، من دون أن تخفي استعجاله في ملف التأليف، باعتبار أن تشكيل الحكومة بات أمراً ملحّاً، ولذلك فإن المدة التي ستلي عودته من السفر قد تكون حاسمة في هذا المجال، متوقعة أن لا يتجاوز الـ 20 يوماً.
وفي المقابل، أكّد عضو كتلة «المستقبل» النائب أحمد فتفت لـ «اللواء»، بعد زيارته للرئيس سلام، ضرورة أن تكون هناك حكومة في أقرب وقت، الأمر الذي قال انه يتطلب اقداماً من الرئيس المكلف، مشيراً إلى انه زاره ليقول له أن هناك رأياً عاماً مسانداً له في ضرورة اتخاذ هذه الخطوة وإعلان الولادة الحكومية، لافتاً الى أن الرئيس سلام ينتظر عودة رئيس الجمهورية للبحث معه في الخطوات التي ينبغي القيام بها في ما يتصل بالشأن الحكومي.
ونقل فتفت عن الرئيس المكلف أهمية أن يعي الفرقاء خطورة المرحلة بما يُساعد في عملية التأليف وإخراج الأزمة من عنق الزجاجة، معرباً عن اسفه لأن هناك اطرافاً لا تفهم الا بلغة التهديد، وهذا احد اسباب تأزم الأمور في البلد، مبدياً خشيته من أن تقوم قوى 8 آذار بالانسحاب من الحكومة في حال تشكيلها، وتعمل على اسقاطها إذا لم تسر الأمور على هواها، مشدداً على أن قوى 14 آذار تعتبر ان تشكيل الحكومة من مسؤولية رئيس الجمهورية والرئيس المكلف حصراً، وعندما تصدر مراسيم التشكيلة الوزارية سيكون لنا الموقف المناسب، استناداً إلى تركيبتها وبيانها الوزاري.
اما عضو الكتلة نفسها النائب عمار حوري، فقد دعا عبر «اللواء» الفريق الآخر إلى الكف عن ممارسة أسلوب الابتزاز تجاه الرئيس المكلف، مؤكداً انه «من سابع المستحيلات العودة إلى تجربة الحكومات السابقة، والتي أثبت فشلها بكل المعايير سواء السياسية أو الاخلاقية»، في إشارة إلى بقاء الثلث المعطل في يد فريق 8 آذار، مشيراً إلى أن هجوم عون على الرئيس سلام يحمل بصمات «حزب الله».
وفي هذا السياق، دعت مصادر في 14 آذار إلى التعامل بجدية مع كلام الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله حول البيان الوزاري، واعتبرت أن إشارة نصر الله الى تأخير البحث في البيان بمثابة خطوة متقدمة للحزب للقبول بمناقشة صيغة بديلة عن معادلة «الجيش والشعب والمقاومة».