كتب عامر مشموشي في صحيفة “اللواء”:
في الوقت الذي يحقق فيه رئيس الجمهورية ميشال سليمان إنجازات مهمة تصبّ في خدمة لبنان وقضاياه المتشابكة في نيويورك من خلال لقاءاته مع رؤساء الدول الغربية والعربية وعلى رأسها الاجتماع الذي استغرق ساعة كاملة مع الرئيس الأميركي باراك أوباما أسفر عن اتفاق تام بين الرئيسين على البقاء على سياسة النأي بالنفس التي اعتمدتها الحكومة اللبنانية حيال ما يجري في سوريا، وعلى دعم لبنان لمواجهة تحديات النزوح السوري الذي زاد على ثلث سكان لبنان إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني.
وفي الوقت الذي يتسابق فيه أصدقاء لبنان في الاجتماع الذي انعقد أمس في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة على تقديم الدعمين المادي والمعنوي للبنان للتغلّب على الأزمة الاقتصادية والمالية الناشبة عن النزوح السوري الكثيف إليه هرباً من جحيم الصراع الدموي بين المعارضة السورية والنظام السوري الذي يُبيد شعبه بذريعة محاربة الإرهاب والإرهابيين، في هذا الوقت تستمر القوى السياسية اللبنانية في تجاذباتها حيال القضايا الداخلية، وكأن الأمر المتعلق بارتدادات النزوح السوري لا يعنيهم، بل هم مشدودون إلى الأمور الصغيرة، ومنها الملف الحكومي المتعثّر نتيجة التباينات العميقة بين القوى السياسية الممثلة بتحالف الرابع عشر من آذار وتحالف الثامن منه.
وحول هذا الملف برز مؤخراً موقف لأمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، من شأنه أن يساعد على فتح حوار جدّي بين الفرقاء من أجل الوصول إلى تفاهمات تطوي هذا الملف وتسرّع الخطى في اتجاه تشكيل حكومة جامعة تشكل مدخلاً لانعقاد طاولة الحوار الوطني للبحث في الاستراتيجية الدفاعية وفق التصور الذي قدمه الرئيس ميشال سليمان في آخر اجتماعات هيئة الحوار والذي يشكل حلاً منطقياً لثلاثية الشعب والجيش والمقاومة وهي النقطة التي أحالها الأمين العام لحزب الله إلى هيئة الحوار الوطني.
وقد رأت قوى 14 آذار في هذا الطرح خطوة إلى الأمام خطاها حزب الله من أجل فتح الباب المقفل أمام الملف الحكومي والذهاب إلى تشكيل حكومة جديدة استجابة لطلب رئيس الجمهورية الذي توجّه إلى القوى السياسية بوجوب تقديم التنازلات المتبادلة للخروج من أزمة تشكيل الحكومة، مهدداً بأنه والرئيس المكلّف تمام سلام سيمارسان صلاحياتهما في تشكيل حكومة واقعية في حال استمر التجاذب بين الفرقاء السياسيين على ما هو عليه.
وقد جدد الرئيس سليمان التهديد بتشكيل الحكومة الواقعية في مطلع الشهر المقبل في حال استمرت مواقف الأطراف على حالها، ولم يستجب أحد لدعواته المتكررة لهم بوجوب الانتهاء من الملف الحكومي نظراً للمهمات الدقيقة التي تنتظر الحكومة سواء بالنسبة إلى أعباء النزوح السوري الذي كلّف لبنان حتى الآن أكثر من سبعة مليارات ليرة لبنانية، وسواء بالنسبة إلى الشروط والشروط المضادة التي تتمسك بها الأطراف المعنيون.
وإذا كانت مبادرة أمين عام حزب الله التي نسفت مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري وجاءت لتلتقي مع المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية وتجاوبت معها قوى الرابع عشر من آذار وتقضي بتشكيل حكومة سياسية جامعة ومن ثم دعوة هيئة الحوار الوطني إلى الاجتماع لمتابعة البحث في ملف الاستراتيجية الدفاعية، فإن الأمين العام لحزب الله ظل متمسكاً بالشروط التي وضعها حلفاؤه، وهي أن تحصل قوى الثامن من آذار على الثلث المعطّل في الحكومة الجديدة، ورفضه بالتالي صيغة الثلاث ثمانات فإنه في المقابل دفع في اتجاه إعادة الحوار الوطني من أجل الوصول إلى صيغة توفق بين تمسكه بثالوث الشعب والجيش والمقاومة وتمسك قوى الرابع عشر من آذار بنداء بعبدا وسياسة النأي بالنفس من جهة، وإعلان حزب الله استعداده للانسحاب من سوريا من جهة ثانية.
وتعتقد مصادر سياسية مطلعة أن الرئيس سليمان سيلتقط مبادرة أمين عام حزب الله ليطرح بعد عودته الى بيروت من نيويورك يوم غد الجمعة الصيغة المقترحة للحكومة الجامعة التي تمشي مع ما طرحه الرئيس المكلف لجهة الثلاث ثمانات مع الوزير الملك، بعدما اعترض أمين عام حزب الله على هذه الصيغة من منطلق أن الرئيس سلام ينتمي إلى فريق الرابع عشر من آذار ولا يعتبر وسطياً الأمر الذي نفاه الرئيس المكلّف وأكد أنه أصبح منذ تسميته رئيساً للحكومة على مسافة واحدة من الجميع.