#adsense

الأمن الذاتي: ما كان متعذراً بالأمس أصبح اليوم ممكناً

حجم الخط

مع بداية هذا الأسبوع، كثر الحديث عن الأمن الذاتي، كواقع يناقض منطق الدولة وأسسها وسيادتها، وكدليل على تفلت الأوضاع العامة، وتقطع الأسلاك التوحيدية وتحطم الأعمدة الوطنية، على امتداد الوطن كله، وعلى اعتبار تفشيه وخلوه من كل الضوابط، دليلاً ومؤشراً على انهيارات أساسية لا بد في حال شيوعها واستمرارها من أن تكون مدخلاً يسهل الوصول إليه والدفع بالوطن إلى مهالك حرب أهلية محتملة، شديدة الإرتباط والشبه بماً سبق أن عرفته البلاد، وسالت من خلاله مقادير هائلة من الدماء، وأزهقت بسببه وبمسبباته، أرواح غفيرة من الشهداء والضحايا.

خلال الأيام القليلة الماضية تناولت الأقلام هذا الموضوع بكثير من التفاصيل التعريفية والوثائقية:
لقد ترسخت في أذهان المتابعين جملة من الملاحظات البارزة والمختارة، نبدأها، قبل أن نعمد إلى تشريحها، بحثاً عن الأهداف الحقيقية التي أوجدتها وأطلقتها، حيث تكوّنت بقرار اتخذه حزب الله ودفع الدولة إلى تنفيذه على النحو الذي بدأ يوم الاثنين الماضي، وحيث أوكلت المهام الأمنية والمخابراتية إلى خليط من قوة أمنيــة مثلثة الأضلاع:جيش وقوى أمن وعناصر من الأمن العام، وما كان متعــذراً بالأمس أصبح اليوم ممكناً. والدولة التي بهدلها وحط من قدرها منافسوها على السلطة، وغسلوها مراراً باتهامها بالعجز عن تولي الشأن الأمنـي، وتأمين متطلباته غير المتوفرة، إتهموها بأنها أعجز من أن تؤمن أية قدرة تفي بالمهام الأمنية الواسعة والدقيقة والحساسة، إذا بهم يهللون اليوم لدورها ولقدراتها التي وقف معالي وزير الداخلية يوم الاثنين المنصرم، خطيباً في الضاحية الجنوبية مرحباً بالدور المستجد والمضاف الذي أعطي له ولوزارته، ولا بد من إستذكار زيارة معاليه للضاحية بعيد يوم التفجير الآثم الذي سبق حصوله هناك، حيث لم يكن آنذاك مرتاحاً كما كان يوم الإثنين المنصرم، بل كان تواجداً سريعاً ومرتجلاً ومرتجفاً، ولم يكن تواجده آنذاك لشأن تنفيذي مقرر، بل كان وجوداً بروتوكولياً مسـرعاً في الهرولة وبحماية لصيقة من رجال الأمن، بعد أن هاجمته عناصر حاشدة، وبالكاد، أفلح احتماؤه بقوى الأمن وبعض الأمنيين المحليين الذين أحاطوا به وتمكنوا من إخراجه من المنطقة المنكوبة سليماً معافى والحمد لله.

إن المشهد الجيد والمريح الحاصل من خلال ظهور السيد حسن نصر الله بالأمس على الشاشات حيث أشاد بدور قوى الدولة وعناصرها الشرعية المنتدبة لمهمة هي في صلب صلاحياتها وقد استجمعت عناصرها لهذه الغاية الوطنية الصائبة، التي نرجو لها كل النجاح والتوفيق، كما نرجو أن تعمم في أماكن أخرى من هذاً الوطن المنكوب بما يحول، بشمولية واسعة تطال المناطق جميعاً وتحول، دون تمدد ذلك الوحش الكاسر المتمثل بالأمن الذاتي، لتكبر أخطاره وتتعاظم أضراره، على الوطن وعلى وحدته وعلى سلمه الأهلي وعلى أي مستقبل زاهر وواعد، يحوم في أجوائه الحافلة بالملامح السوداء والمعالم الحالكة.

صورة أخرى تلتفت إليها الأذهان متمثلة مرة أخرى في جزء من تصريح معالي وزير الداخلية يوم الاثنين المنصرم حيث حذّر من حذر الناس ونقزتهم إذا ما صادفوا رجال أمن يقومون بمهامهم وهم يرتدون الملابس المدنية العادية، وكأنما معاليه يفسر بعضاً من التحسبات التي داخلت ظنون الناس واحتلت بعضاً من استنكاراتهم بخصوص ما أشيع عن أن عناصر من حزب الله، سيكونون في ساحات وأماكن المراقبـة بالملابس المدنية، فيكونون بالتالي جزءاً متداخلاً مع قوى الأمن الرسمية، خاصة أن هذا التدخل قد سبق حصوله في منطقة عبرا وكان مداراً لانتقادات شتى ولالتباسات عديدة ما زال صداها يتردد حتى الآن.

بصرف النظر عماً ذكرناه أعلاه، وإحاطة منا بكل ما أمكن من الزوايا التي تحتاجها هذه المعالجة وهذا المقال، فإننا وفي مطلق الأحوال نشيد بموقف حزب الله المتجاوب مع رفض الناس بمن فيهم قطاعات واسعة من أحياء الضاحية نفسها، لمبدأ الأمن الذاتي ولما بدأ يلاقيه من ردات فعل المواطنين السلبية، آملين أن يتمثل الوضع المستجد من خلال الإيجابيات التي تحملها العودة الجزية لكنف الدولة والقوى الشرعية في هـذه الظروف المتفجرة والقاتمة، ونأمل أن يكون التنفيذ صادقاً وحقيقياً وجلي الصورة، وإلا صدق القول الذي لخص الوضع المستجد من خلال استعانته برجال الأمن العام حيث اعتبر دورهم الأهم هو التواجد في الأماكن الحدودية، فكأنما هو تواجد اليوم على حدود منطقة معينة عامرة بالمواطنين وبالأحداث والتوقعات مختلفة الأحجام والأنواع، والمخاطر التي يمكن أن تلحق بالوطن والمواطنين، في أي وقت ولأي سبب.

إضافة إلى ما ذكرناه، نؤكد على ذلك الرفض الشامل على مستوى الوطن والمواطن من معظم القطاعات الشعبية والوطنية، للأمن الذاتي كمبدأ وكاغتصاب للسلطة، وإذ يتسع الرفض الآن ليشمل الضاحية الجنوبية، فإنـنا، وكائنـاً ما كانـت الأسباب التي أقنعت من لم يكونوا مقتنعين بأن هذا الأمن بمظاهره السيئة التي سبق لنا أن عايشناها بسوئها وقهرها ومخاطرها، علـى مدى سنوات طويلــة مضت وانقضت والحمد لله، قد عادوا عن الخطأ وسلموا بعض زمامهم إلى الدولة، آملين ألا تسؤ بنا الأوضاع وتظلمنا أيام عاطلة يسوء فيهاً ذلك الأمن القبيح والسيّئ والحافل بالضرر، وفي كل الأحوال، نتمنى للأمن الرسمي نجاحاً واتساعاً وشمولاً آملين من هذا المنطلق تنفيذ جميع المطالب التي تتأكد بهاً ومن خلالها، سيادة الدولة على كل أراضيها وكل قواتها وكل صلاحياتهـا، وكل الدواعي والدعائم التي تترسخ بها ومن خلالها، وحدة هذاً الوطن، أرضاً وشعباً ومؤسسات.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل