كتبت ربى كبّارة في صحيفة “المستقبل”:
يستمر الكباش الروسي – الأميركي على سوريا في أروقة الامم المتحدة بالتزامن مع مرونة روسية مستجدة كشفتها وزارة الخارجية عندما ألمحت إلى احتمال تضمين قرار مجلس الأمن الدولي المنتظر، لتشريع الاتفاق الذي توصلا إليه بشأن تخلّي بشار الأسد عن ترسانته الكيماوية، تهديداً باستخدام القوة في حال التنصل من التنفيذ وفق المواعيد المقررة.
فقد شدد الرئيس الأميركي باراك أوباما أمام الجمعية العمومية على ضرورة وجود دور لمجلس الأمن في تنفيذ الاتفاق وحتى في وضع حدّ للحرب في سوريا مرفقاً ذلك بتجديد التزامه بالتهديد العسكري وإبقائه مصلتاً كسيف “ديموقليس” طوال فترة تنفيذ الاتفاق.
وخلافاً للتشدد الروسي السابق في رفض مطلق لتشريع مجلس الأمن أي استخدام للقوة إذا تنصل الأسد من تنفيذ مضمون الاتفاق، الذي أنجز في الرابع عشر من الجاري متضمناً أجندة زمنية للتخلص من الكيماوي بحلول منتصف العام المقبل في وقت قريب من انتهاء ولاية الأسد. فقد تزامن الموقف الأميركي مع مرونة مستجدة عبّر عنها نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف بإشارته إلى احتمال تضمّن القرار “إشارة إلى الفصل السابع كعنصر من مجموعة إجراءات”. إضافة الى أن الأسد بدأ التنفيذ عبر تقديم جردة بترسانته الكيماوية وفق الموعد المقرر قبل تنفيذ ما اشترطه سابقاً: وقف التهديدات الأميركية وتسليح المعارضين. وكيف له أن لا يفعل وهو الضعيف الذي بات يخضع للوصاية الروسية سياسياً إضافة الى خضوعه للوصاية الإيرانية عسكرياً”.
وتعزو مصادر متطابقة المرونة الروسية المستجدة إلى احتمال أن يكون الاتفاق قد نصّ على أن تتولى موسكو نزع قوة الأسد العسكرية بدءاً بالكيماوي، معتبرة أن الخلاف بين الأميركيين والروس تخطى قضية مصير الأسد، الذي بات محتوماً، ويتمحور حول هوية الحكم القادم وحول من ستضم الحكومة الانتقالية التي نصّ اتفاق “جنيف 1” على أن تنتقل إليها الصلاحيات الكاملة، حتى لا تشهد سوريا ما عاشه العراق بعد أن حلّ الاحتلال الأميركي كل مؤسساته الرسمية. وتلفت المصادر نفسها إلى تعقيد المفاوضات بهذا الشأن لأن عليها مراعاة الكثير من المتطلبات التي لا تقتصر على موسكو وواشنطن بل تضم إليهما القوى الإقليمية من طهران إلى اسطنبول والرياض على الأقل.
وتوحي بوادر انفراج العلاقات بين طهران وواشنطن، ومع الغرب عموماً، بشأن ملفات استراتيجية معقدة أبرزها الملف النووي الايراني، عبر توافق الجميع على إعطاء فرصة لحلّ مشاكل هذا الملف بالطرق الديبلوماسية، بأن طهران حجزت لنفسها مكاناً في المفاوضات الدائرة حول مصير سوريا. وذلك رغم عدم حصول اللقاء الذي كان متوقعاً بين أوباما والمعتدل حسن روحاني واكتفاء الرئيس الإيراني بلقاء ثنائي مع نظيره الفرنسي فرانسوا هولاند. فثمة استحالة في تخطي تراكم الخلافات على مدى عقود بين الطرفين بسرعة. لكن هذا الانفتاح، الذي انكشف جليّا، بعد إعلان الاتفاق الروسي – الأميركي يعني أن طهران ليست خارجه خصوصاً أن بشار الأسد يؤمّن لها عبر دولته النافذة الوحيدة الرسمية على العالم العربي خلافاً لـ”حزب الله” باعتباره مجرد حزب رغم أنها وفّرت له فائض قوة سمح له بالتحكم بمفاصل الحياة السياسية وحتى القرارات الرسمية.
وقد انعكس تسليم الأسد بالتخلص من ترسانته الكيماوية إيجاباً على لبنان. فموافقته على الانضواء في كنف الشرعية الدولية حدت بـ”حزب الله” إلى الانضواء في كنف الشرعية المحلية عبر السماح للقوى الأمنية الرسمية بالإشراف على الأمن في معقله الرئيس في ضاحية بيروت الجنوبية. وقبل ساعات معدودة على انطلاق التحركات في أروقة الأمم المتحدة أعلن الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله أن أي سلاح كيماوي سوري لم يصل إليه بما يعني أنه نأى بسلاحه عن المنظومة السورية ليدرجه في نطاق المنظومة الإيرانية الذي تشير البوادر إلى حلحلة ما في مواقفها خصوصاً أنها بحاجة الى تقديم أوراق اعتماد للغرب ومنها ما هو في لبنان.
ويقول سياسي متابع عن هذه الخطوة “تشبه عودة الضاحية إلى الدولة عودة الجنوب بعد العدوان الاسرائيلي صيف العام 2006 عبر دخول الجيش”. وقد لاقت ترحيباً إجماعياً، خصوصاً من قبل “قوى 14 آذار” باعتبارها تلبي وإن بدرجة محدودة مطلبها الرئيسي بالركون إلى منطق الدولة، رغم شكوك شبه مؤكدة بأنها نوع من أنواع الأمن بالتراضي، قد يقتصر على تواجد شكلي، وقد يفشل لاحقاً كما في مرات سابقة.
لكن ثمة دوافع أخرى حدت بـ”حزب الله” إلى تلبيتها. إذ لا يمكن للميليشيات ورغم تضحياتها أن تقوم بدور الشرطة إذا يستاء المواطنون من إجراءاتها ولو كان الهدف تأمين حمايتهم. وقد أدت إجراءات الأمن الذاتي، المتبعة أصلاً، لكنها تعززت بعد حادثي تفجير السيارتين المفخختين، إلى تدنّي الحركة الاقتصادية في المنطقة بشكل كبير. كما وأنه أصبح بإمكان “حزب الله” تحميل مسؤولية أية خروق أمنية للدولة إضافة الى أنه حرّر بذلك المئات من محازبيه ليستخدمهم في سوريا مثلاً.