#adsense

المقايضة: «الثلث المعطّل»… وإلّا فراغٌ رئاسي

حجم الخط

هناك فارِقٌ في التوقيت بين بيروت ونيويورك… وفارِقٌ في المناخ أيضاً. لذلك، تعلَّم الرؤساء في لبنان، منذ الثمانينات، أنّ ما يقال لهم، في ليل نيويورك وواشنطن، قد يمحوه نهار بيروت.

تلقّى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، في نيويورك، تشجيعاً متعدّد الأطراف على كسر الحلقة المفرغة وإعلان “حكومة أمر واقع”، أيّاً كانت ردود الفعل. ولا يكاد الرئيس يقتنع، حتى يعود إلى التصرّف “لبنانياً”، أي بالمراهنة على الوقت، “حلّال المشكلات”.

لكنّ سليمان عينه على البلد ومصير الحكم: كيف سيكون الوضع في أيّار 2014، موعد الإنتخابات الرئاسية، بلا حكومة فاعلة؟ فالطموح إلى “إتفاق دوحة” آخر، يدير البلد مرحليّاً، ويشمل الرئاسة والحكومة والمجلس معاً، لا يبدو سهل التحقق في هذا الجوّ الإقليمي – الدولي.

لذلك، هناك خوف من تعطيل الإستحقاق الرئاسي، إذا لم يكن فريق 8 آذار موافقاً على الرئيس العتيد، أو إذا لم يكن راضياً على الثمن الذي سيتقاضاه مقابل التمديد لسليمان… على افتراض أنّ الأخير تخلّى عن رفضه المعلن للتمديد.

فسليمان والرئيس المكلف تمّام سلام والنائب وليد جنبلاط وفريق 14 آذار سيكونون أمام مقايضة يطرحها عليهم فريق 8 آذار: أعطونا “الثلث المعطل” في الحكومة إذا كنتم لا تريدون الفراغ في الرئاسة. وسيكون أمام سليمان عرضٌ بتمديد ولايته، في مقابل “الوزير الملك” في الحكومة، ولو مع حفظ ماء الوجه، أي وفق الطريقة التي تمّ فيها تعيين الوزير عدنان السيِّد حسين وزيراً ملكاً “مموَّهاً”.

وأخطر ما في هذا الفراغ، أنّ الحكومة، التي ينصّ الدستور على أن تتولّى الصلاحيات الرئاسية، هي في وضعية تصريف الأعمال. ويجهّز فريق 8 آذار فتاوى تؤكّد أنّ المجلس النيابي، المكتمل الشرعية وحده، هو المولج دستوريّاً إدارة البلد في هذه الحال. وهذا ما يرفضه قطعاً فريق 14 آذار وسليمان والآخرون.

فالخياران المطروحان كلاهما مريران: فراغ حكومي في ظلّ حكم مجلسي، أو “الثلث المعطّل”. وقد يقتنع سليمان، ومعه سائر الآذاريين والوسطيين، بأنّ التمديد له هو الأقلّ كلفة، لتمرير المرحلة، تماماً مثلما اقتنعوا بالتمديد للمجلس النيابي وقادة المؤسّسات العسكرية والأمنية. وإذا حصل ذلك، فسيكون الباب قد فُتِح على الصفقة.

وفي اعتقاد بعض الأوساط أنّ سليمان يحرص على عدم التورّط في “حكومة الأمر الواقع”، لئلا يُتَّهم بإلإنحياز إلى فريق 14 آذار. وعندئذٍ يفقد إحدى أبرز نقاط القوّة التي جاءت به إلى الرئاسة، أي النهج التوافقي. وانحيازه سياسياً كفيل بقطع الطريق نهائيّاً على خيار تمديد ولايته، إذا ما شاءت الظروف أن تفرض هذا التمديد في اعتباره “أفضل الممكن”. وفي المطلق، لا مشكلة لدى فريق 8 آذار مع شخص سليمان، فهو لم يكن يوماً في صفّ المعادين لـ”حزب الله”.

لذلك، تتنازع رئيس الجمهورية والرئيس المكلف والفريق الوسطي إتجاهات متناقضة، تُعبّر عنها المواعيد الإفتراضية المتتالية منذ أشهر لولادة الحكومة، قبل أن تظهر كلّها، الواحدة تِلو الأخرى، غير واقعية. وعادة، ترتفع نبرات الرؤساء والمسؤولين اللبنانيين حين يسمعون كلام التشجيع والدعم في الولايات المتحدة الاميركية، لكنّ هذه “المعنويات” تتبخّر تدريجاً عند عبورها سماء الشرق الأوسط نحو أرض الواقع في بيروت.

إنّها مرحلة صراع لبناني للسيطرة على القرار المحلي لتقطيع الوقت الضائع. فالقرارات الكبرى والحاسمة ستفرض نفسها أخيراً، وفي اللحظة المناسبة إقليميّاً. وحتى تلك الساعة، يستعدّ الجميع ليكون لاعباً قوياً على الطاولة، وعلى الأرض.

ويريد “حزب الله” أن ينطلق من موقعه القوي عسكرياً في سوريا ولبنان لإبرام تسوية تكرّس تفوّقه السياسي أيضاً، في المرحلة المقبلة. ولذلك هو اليوم مع الحوار.

وعند هذه النقطة يقف سليمان أيضاً. فهو يريد الإفادة من انفتاح “الحزب” لبنانياً، لجذبه إلى تسوية شاملة، أساسها “إعلان بعبدا”. فهل تلتقي الإرادات على ترميم المؤسّسات وتمرير المخاطر الداهمة لبنانياً؟ أم يتكرّس التعطيل والفراغ؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل