تدخل البلاد في تشرين وناظره القريب على وقع تحذيرات فريق «8 آذار» عبّر عنها رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، الذي نبّه من مجرد الكلام عن حكومة لا يرضى عنها هذا الفريق.
هذا التنبيه يبدو على الأرجح موجّهاً إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة المكلف تمام سلام، اللذين حرّكا ملف التأليف، ما أوحى أنّ مرسوم الحكومة الجديدة سيبصر النور قريباً جداً.
وإذا كان سليمان العائد من نيويورك بدعم دولي، بات في وضع لم يعد يستطيع الانتظار، فإن سلام يبدو في وضع أقرب الى التريّث منه الى الإقدام، وتتعدد الأسباب وربما تصل به إلى حد الاعتذار، إذا وجد أنّ الابواب اقفلت، فيما لا يلوح في الأفق أي معطى إقليمي أو داخلي، ينبئ بأن موقف “حزب الله” قد تغيّر، أو أنّ موقف 14 آذار بات من الليونة، بحيث تتراجع عن السقف الذي وضعته للقبول بالحكومة الجديدة.
محاذير عدة تمنع سلام من المضي قدماً مع رئيس الجمهورية، في توقيع مرسوم تشكيل حكومة تخرق “الفيتوات” والخطوط الحمر.
أول هذه المحاذير موقف رئيس “جبهة النضال الوطني” النائب وليد جنبلاط الذي تراجع خطوة الى الوراء، حين تجاوز صيغة حكومة 8+8+8، هذا التراجع يُصعّب مهمة سلام، فهو من جهة لن يوقع مرسوم التأليف بلا موافقة جنبلاط، ومن جهة ثانية لن يتمكن من نقض المعايير التي وضعها بنفسه في اللحظات الأولى لتكليفه، وبالتالي فإن خيار الاعتذار، بدا وللمرة الاولى خياراً مطروحاً، مع عدم إسقاط احتمال إعادة التكليف مرة ثانية، ومع عدم إسقاط احتمال آخر، وهو تحول جنبلاط إلى إعادة تسمية الرئيس نجيب ميقاتي في حال اعتذار سلام.
في البحث في التراجع عن مبدأ “المثالثة” داخل الحكومة، تكمن صعوبات كثيرة، ففضلاً عن أن هذا المبدأ لم تقبله قوى 14 آذار، فإن طرح حزب الله الذي جاراه فيه جنبلاط منذ يومين، يضع سداً أمام التأليف، ويفرض على سلام تموضعاً داخل قوى 14 آذار، ويجير حصته لهذه القوى، فبمجرد قبول سلام بالتراجع عن “المثالثة” في الحكومة، سيُفتح بازار من نوع آخر، وهو بازار التلاعب بالحصص، وقد بدأ هذا التلاعب يحصل من خلال عروض كان آخرها عرض تقدمت به قوى 8 آذار، وهو عرض 10+10+4 ، الذي يترجم نظرية التمثيل حسب الاحجام. هذا العرض دفع 14 آذار الى التراجع عن القبول المبدئي بصيغة 8+8+8، في اعتبار أن حزب الله بات يتبع سياسة القضم في تحقيق المطالب، وصولاً الى فرض معادلة “الثلث المعطل”، ولازمة “الجيش والشعب والمقاومة” المرفوضتين.
أمام هذه الاعتبارات تبدو ولادة الحكومة متعذرة، ويتحول رهان رئيس الجمهورية على تشرين موعداً لهذه الولادة رهاناً صعباً، إذ لا زالت عملية تأليف الحكومة عالقة منذ اليوم الأول للتكليف في العقدة ذاتها، ولن يكون ممكناً تجاوز رفض حزب الله أي تشكيلة وزارية من دون نيل “الثلث المعطل”، هذا فيما تبقى عقدة المداورة في الوزارات قائمة بلا حل، فقوى 8 آذار لم تتراجع عن مطلب المداورة حصراً داخل هذا الفريق، ما يعني الإبقاء على التمسك بالوزارت الحالية، أي الطاقة والدفاع والاتصالات والعدل.
يبقى السؤال: ماذا سيكون الخيار الآخر لدى سليمان وسلام إذا لم يصدق وعد التأليف في تشرين؟ وهل يلجأ الرئيس المكلف الى الاعتذار بعدما نال دعم الرئيس سعد الحريري وثقته للاستمرار في جهود التأليف؟ وماذا عن الفراغ الرئاسي الآتي سريعاً، في ظل حكومة تصريف الاعمال التي يريد حزب الله استمرارها طالما لم يحصل على مطالبه كاملة في الحكومة الجديدة؟