في اللحظة الاخيرة، تذكّر بطريرك بابل على الكلدان مار لويس روفائيل الاول ساكو امرا اخيرا كان “عَ القلب”، وقاله عفويا: “لتنزل الرئاسات الكنسية من برجها العاجي الى الواقع، فلا تبقى في اطار الشجب والاستنكار، بل تعود الى الواقع وتعالجه بكل محبة وسخاء، كما دعا البابا فرنسيس. نحن رعاة وخدام، ولسنا سلاطين”. 12 دقيقة مع “النهار”، وفي الحوار كلام كثير.
من البداية تدعو المسيحيين الى عدم الهجرة من بلدانهم العربية. غير ان ثمة من يرى ان هذه الدعوة لا تنطبق على واقعهم، وخصوصا انهم يتعرضون للاضطهاد والقتل في بلدانهم. ماذا تقول؟
– نحن لا نرغم احدا. لكن على المسيحي ان يشعر بانتمائه الى الارض والكنيسة، وان له قضية انسانية ووطنية، وايضا ايمانية. ثمة تصميم من الله على ان يكون المسيحي هنا عامل انفتاح واخوة. فاذا ترك، فقد هويته ورسالته، وصار مجرد رقم في الخارج. اما هنا، فينتمي الى شعب وعائلة، له لغته وطائفته وعلاقاته. كل هذا الجبل الذي بناه هو واجداده، كيف يقرر يوما ان يغادره لانه خائف؟ ارضه وبيته وملكه ورثها من آبائه واجداده، وهي مقدسة. فكيف يفرّط به، ويصير لاجئا ويدق ابواب السفارات. في الخارج، هو غريب. الانسلاخ نوع من الموت. هنا ثمة موت حقيقي، لكنّ هناك نوعاً آخر من الموت…
لقد رأينا مسيحيين يستشهدون في لبنان والعراق، وحاليا في مصر وسوريا. هل المطلوب أن يكون المسيحي مشروع استشهاد كي يبقى في بلده العربي؟
– لا، المسيحية لا تؤمن بالجهاد، اي ان يذهب المرء ليقتل نفسه حتى يذهب الى الجنة. هذا انتحار. المسيحي يقبل، كما قبل المسيح، الحكم عليه، لان لا منفذ آخر له. (ان يقبل) بكل حرية وايمان، اذا كان لا بد من ان يموت، ومجبر على ذلك، ان يقبل في قلبه ذلك، كعطية وفعل حب عميق. لا نطالب بالاستشهاد. هناك شهادة حياة. نشعر بأن سوريا عراق جديد. عشنا أياما صعبة للغاية، ولا يزال العراق يعاني. مسكينة سوريا، فحالتها كحالة العراق، لا بل أصعب… كله خراب بخراب. الى أين نحن ذاهبون؟ لا حل بالسلاح والبارود، بل بالمطالبة بالاعتصام بطريقة سلمية، ديبلوماسية، سياسية، تعبئة الرأي العالمي للتغيير…
تؤمن بالحوار، ولا سيما مع المسلمين، ولديك اصدقاء كثر بينهم. ولكن كيف يكون حوار مع متطرفين يرفضون كليا الآخر والحوار؟
– أؤمن بالحوار، حتى العقائدي، بالحوار الانساني الوطني. الغالبية المسلمة معتدلة، وسطية، ومن الممكن ان نشكل معًا قاعدة تكون قوية امام هذا الفكر الغريب الذي لا مستقبل له. التطرف لا مستقبل له، ومن غير الممكن ان يدوم. يمكن ان تصير توعية، او نوع من تأهيل المتطرفين بطرق عدة، كالخطاب الديني في الجامع، والاعلام. اتمنى ان تُرفع عن الاسلام صورة التطرف والجهاد والارهاب. هذا تشويه له وللمسلمين. هناك أمل، وهناك اصوات مسلمة بعيدة، ومسلمون كثر حموا المسيحيين، وحافظوا على املاكهم. وامثلة عدة عن ذلك عشناها في العراق، واعتز بذلك…
تقول ان في الافق املا. ما الذي تراه ولا يراه الآخرون؟
– لدي امل في يقظة المسلمين. أرى أن ما حصل في مصر بارقة امل. وقد بدأ ينتشر في اوساط اخرى ان الاسلام السياسي حاليا ليس ممكنا، وان التطرف باب مسدود… هناك ايضا وعي لدى المسيحيين على الوحدة لتشكيل تجمع مسيحي قوي مع المسلمين ليحافظوا بعضهم على البعض الآخر.
ماذا ستقول لاترابك بطاركة الشرق في القمة الروحية في بكركي (اليوم)؟
– سأقول لهم ان لا خلاص سحريا مع الغرب. الخلاص هو في الداخل مع مواطنينا، المرجعيات الدينية، والمسلمين، لان مصيرنا مشترك. واذا استطعنا ان نشكل فريق عمل رفيع المستوى من القيادات الدينية، فتقوم بجولة في البلدان العربية لشرح الهوية المسيحية الشرقية واهمية الحضور المسيحي- وايضا مع القادة السياسيين – فأعتقد ان هذا حل كبير. ويمكن ان يساعد الغرب في تقديم مشاريع تنموية الى المسيحيين والمسلمين في قراهم، وتشجيع العيش المشترك وتعزيز البنى التحتية… بدلا من ترحيلهم الى الخارج، حيث تصرف عليهم اضعاف… نحتاج الى تضامن مسيحي قوي، كما ان هناك تضامنا اسلاميا قويا جدا. لم لا يشكل المسيحيون تكوينا سياسيا سلميا مسيحيا وطنيا، ويتحاورون من خلاله مع الآخر المسلم؟
تتوق الى الوحدة بين الكنيستين الاشورية والكلدانية. عمليا، هل ثمة خطوات مرتقبة ام ان الامور صعبة قليلا؟
– الوحدة مطلب وجودي، لاننا كنائس صغيرة. وهي موجودة على مستوى القاعدة الشعبية. فالناس لا يفرّقون، والطقوس واللغة نفسها، ولا صعوبة في الزيجات، وهناك تاريخ مشترك، والايمان نفسه. المطلوب ان تكون هناك شجاعة وجرأة، وان نقول: لنكمل ولنصر واحدا. انها قضية تاريخ وكنيسة، وربما الحاجز نفسي ويحتاج الى جرأة. واذا اتحدت الكنيستان في رئاسة واحدة، تكونان نموذجا للآخرين.
عدد الكلدان تراجع في العراق. هل انت قلق؟
– نعم. اذا استمرت الامور على هذا المنوال، ولم تكن هناك رؤية او خطة في العراق ولا خارجه، فانا قلق على ان يكون المسيحيون مكونًا هزيلا.