Site icon Lebanese Forces Official Website

الخيار الثالث للمسيحيّين

صوتٌ هادىء وعاقل، آتٍ من معاناة العراق النازف، يقرع آذان القيادات الروحيّة للمسيحيّين المشرقيّين، في قمّة بكركي، ويقرّع، بإيماءات ناعمة، بعض قياداتهم السياسيّة على سلوكها في استغلال محنتهم وتشجيع هجرتهم، وتوظيف مصائبهم في الكسب السياسي الأسود.

صياغة بيان المجتمعين ليست هي المهمّة، ولا السير فيه بين نقاط  الأزمة السوريّة، وقبلها العراقيّة، وبعدهما هنا وهناك، في أرض العذاب المشرقي.

المهمّ هو أن تنهض لحظة وعي كياني صادق، تحدّد مسبّبات الأزمة ومعالجاتها، فلا تبقى لعبةً بين أيدي فريق سياسي ملتصق بأنظمة ديكتاتوريّة بحجّة حماية المسيحيّين، بينما تتسبّب هذه الحماية المزعومة في استنبات قوى ظلاميّة متطرّفة تنتقم من اصطفاف بعضهم وراء هذه الأنظمة، فتخطف وتقتل وتنتهك أماكن عبادة ومقدّسات.

القيادات المسيحيّة الواعية وصاحبة الرؤية مدعوة إلى تظهير أسباب التطرّف والفكر الإلغائي، كي تنجح في معالجة النتائج. وليس هناك من عاقل يُنكر أنّ التطرّف القاتل في العراق ومصر ثمّ الآن سوريّا كان نتيجة حتميّة لعقود من التسلّط والحكم الدموي، مالأه المسيحيّون أو معظمهم، فدفعوا أثمان هذه الممالأة، وربّما التواطؤ. وعليها التأمّل قليلاً في سبب بقاء لبنان خارج التطرّف و”التكفير”.. حتّى الآن.

قد يكون المسيحيّون مجبرين على مسايرة الحاكم الظالم كي يأمنوا شرّه، ويستفيد بعضهم من “تسامحه” المالي والإقتصادي والإجتماعي. غير أنّ سكوتهم عن الظلم، وربّما تواطؤهم مع الظالم، خلق نوعاً من النقمة، وأججّ الحقد لدى الشرائح المتطرّفة من معارضي الحكم القائم.

وهذا ما يحصل تماماً في سوريّا الآن، من وادي النصارى إلى معلولا فكنائس الرقّة، وانتقامات “داعش”  وأشباهها، على وقع البكائيّات والمزايدات المسيحيّة في لبنان وسوريّا.

 فحين يجاهر قياديّون مسيحيّون بدعمهم للنظام رغم كلّ ارتكاباته، ويستميتون في تبرير جرائمه وكيميائيّاته، ويُقيمون القداديس تحت رعاية سفيره وعلى نيّته فعليّاً ونيّة معلولا نظريّاً، ويعقدون لقاءات تحت عنوان التضامن المسيحي، بينما هم عمليّاً يتضامنون معه، ويعقدون مؤتمرات صحافيّة للنفخ في المأزق وتعميق الجروح،  يكون المصير المسيحي على شاكلة ما حدث، والأفظع الذي قد يحدث.

والمطلوب الآن، وقبل أيّ تفكير أو تنظير أو تفسير، إقدام المراجع الكنسيّة العليا والنخب المسيحيّة على لجم فرقة التوريط هذه، وكفّ يدها عن الملفّ المسيحي، ومنعها من التجارة المكشوفة بمصير المسيحيّين ، وفضح ارتباطاتها المدمّرة .

وبعد هذه الخطوة العاجلة ، اعتماد موقف صريح وحاسم ضدّ الشركاء الأعداء : النظام و”داعش” و”النصرة” مع الفروع ، فالثلاثة يشكّلون فريقاً واحداً في العمق ، كلّ طرف منهم يبرّر الآخر ويستولده ، وجميع الآخرين رهائن ، أكثريّات وأقليّات ، بمن فيهم المسيحيّون .

أمّا ما هو خيار المسيحيّين في هذا الصراع الكبير ، فهو حكماً ليس الإنكفاء والإنزواء ، بل الخيار الثالث الطبيعي والمنطقي : الإعتدال .

ففي سوريّا اتجاه اعتدالي واضح ، تمثّله أكثريّة في المعارضة الوطنيّة المدنيّة التي وضعت مواثيق ووثائق حضاريّة منذ تأسيس المجلس الوطني ، وصولاً إلى الإئتلاف الآن وحكومته وذراعه العسكريّة الوطنيّة النظاميّة في تشكيلات “الجيش السوري الحرّ” .

يجب ألاّ يتردّد المسيحيّون لحظة واحدة في التزام هذا الخيار ضدّ جناحَيْ القتل والإلغاء . فليقرأوا بهدوء في التجربة المصريّة الناجحة : مسيحيّو مصر هم الآن في خضمّ الخيار الثالث ، بعد تجربتيّ الحكم الفردي والحكم الديني ، وقد حسموا موقفهم مع الثورة الوطنيّة الجديدة الواعدة في مجتمع يغلب عليه الطابع المدني وتجاوز الحالات الطائفيّة الحادة ، برغم بعض الحذر من الحالة العسكريّة الإنتقاليّة .

لا مناص لمسيحيّي سوريّا ، ومعهم مسيحيّو سائر المشرق ، من الخيار السياسي الثالث أسوةً بالتجربة المصريّة ، وقبلها التجربة اللبنانيّة المتمادية منذ تأسيس لبنان الحديث والتي توّجتها منذ 2005 الحالة الوطنيّة المعتدلة والعابرة للطوائف تحت اسم “ثورة الأرز” .

إنّ أبشع وأخطر ما ارتكبه مسيحيّو “8 آذار” هو تكليفهم بمحاربة الإعتدال الإسلامي في لبنان أوّلاً ، والآن في سوريّا ، تحت ستار التصدّي ل”التكفيريّين” ، فتحوّلوا إلى كرة بين أقدام المتطاحنين ، وهدف للإنتقام .

يا قادة المسيحيّين ، روحيّين وزمنيّين ، إستعيدوا للحظة صرخة النهضوي ابراهيم اليازجي :

 “تنبّهوا واستفيقوا أيّها العربُ لقد طمى السيلُ حتّى غاصتِ الركَبُ”

قبل أن تغوص بكم وبنا جميعاً رعونة مصالح بعضكم .. إلى قعر التاريخ .

Exit mobile version