لا يمكن تناول موضوع الحكومة بدستورية أو ديموقراطية، فكلّما لمس “حزب الله” ميلاً لدى القيّمين على تشكيلها لجمع الكل في حكومة وطنية عادلة ومتوازنة، رفع صوته مهاجماً قوى 14 آذار ومسوّقاً لوطنيته بعدما احترقت عملته في أسواق سوريا. وماذا ستكون متطلبات “حزب الله” سوى حكومة بحسب الأحجام النيابية؟ وهي اللازمة التي يرددها منذ أن تمّت تسمية النائب تمام سلام لتشكيل حكومة جديدة.
ويعتبر كلام نائب الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم بمثابة البلاغ الرسمي للحزب الذي يعطّل التشكيل الحكومي، فما هو مصير الحكومة إذاً، إن كانت فعالية التعطيل الكلامي توازي فعالية التعطيل التي يمتلكها الثلث المعطّل؟! ويتوجّه قاسم في حديثه الى كل المعنيين وعلى رأسهم قوى 14 آذار والرئيس المكلّف، ويأتي بمثابة التحذير من تشكيل حكومة لا تتلاءم مع الأحجام النيابية، محمّلاً مسؤولية الاختيار للرئيس المكلّف، مقيّداً دوره ومقصّراً “بُعد نظره” بالقول: “رئيس الحكومة ليس حراً أن يتصرّف كما يريد البعض”.
قطع قاسم الطريق على تشكيل أي حكومة لا تعجب “خاطره” ولا تحظى بعدد كبير من الممانعين، للعب دور المعرقلين للعمل الحكومي كما أن الحزب اليوم هو المعرقل لتشكيل الحكومة. ونسف الحزب الحريات باعتباره أن “رئيس الحكومة ليس حرّاً”، ما يؤكد يوماً بعد يوم أن الحكومة المستقيلة لم يكن قرارها حرّاً لأن رئيسها لم يكن حراً. ولا شكّ في أن “حزب الله” مهتمّ في أن “يتبوّأ” رئاسة الحكومة سياسي خاضع لإرادته، ينفّذ استراتيجيته في الداخل والخارج ويسكت على مخالفاته الحكومية “الكبتاغونية” والخليوية… وإلا فإن اللجوء سيكون الى 7 أيار جديد!
وبهذا يكون سعي “حزب الله” للمشاركة في الحكومة ليس بالمعنى المشاركة البنّاءة والوطنية بقدر ما هي إخضاع كل الأحزاب والقوى الحزبية والمستقلة وكافة مؤسسات الدولة لسلطته، ما يتناقض مع ما يعبّر عنه قاسم: “نحن لا نبحث عن وظيفة، ولا عن وزارة، ولا عن موقع وإنما نبحث عن بناء لبنان ومستقبله، وهذا يتطلب أن نكون مشاركين في القرار”. لم يخطئ حين قال إن الحزب “لا يبحث عن وظيفة ولا عن وزارة ولا عن موقع” لأن الحزب يبحث عن طريقة لتأسيس دويلة بديلة للدولة عبر مؤتمر تأسيسي تتحول فيه المشاركة في القرار الى فرض القرارات حينما ينجح انقضاض الحزب على لبنان عسكرياً وسياسياً في جمهورية “الولي الفقيه” التي يطمحون إليها…
“حكومة الأمر الواقع هي حكومة الهدم والتخريب” هو كلام كان من المفترض بـ”حزب الله” أن يقوله في العام 2011 حين شكّل حكومة الأمر الواقع بعد انقلابه على حكومة الوحدة الوطنية وحصاره الجبل… كان حينها لحكومة الأمر الواقع دور رسمه “الباسدران” الإيراني في قلب معركة نظام الأسد، ولم تكن بحسب تحليل “حزب الله” حكومة “هدم وتخريب”… فهل كانت حكومة الرفاهية والسلام التي أدخلت لبنان مجدداً بوابة الاغتيالات والتفجيرات؟ وهل كانت حكومة “كلنا للوطن” أم كلنا على الوطن؟
عجيب أن يتحدّث “حزب الله” عن “الهدم والتخريب” بعدما اختبأ وراء سلاح “المقاومة” للمقامرة بمصير لبنان واللبنانيين وبناء دويلته من خير الدولة… ولا يليق بالحزب الكلام عن الوطنية والعمل لبناء لبنان عبر تشريعه الساحة اللبنانية على “جهنّم الصفراء”. ويعقّب قاسم: “حكومة الأمر الواقع لا يطرحها عاقل أو حريص”، وماذا إن طرحها أحدهم؟ هل يصبح من فئة غير العاقل؟ أم تراه غير حريص على لبنان لأن طرحه ذاك سيتسبب بـ7 أيار جديد في لبنان؟
ويعلم قاسم ما لا يعلمه أحد بأن “جماعة 14 آذار لا تريد حكومة بل مزرعة” والجدير بالذكر بأن لبنان لم يبلغ مرحلة التدهور الاقتصادي والاجتماعي والفساد الأخلاقي والسياسي والإجرام على أنواعه إلا في مرحلة حكم “حزب الله”. وقد يفيد القول هنا بأن “قرف” اللبنانيين في السنتين الأخيرتين من ا سوء سلوك الساسة والحكّام وكرههم الحياة السياسية عكسته حكومة “حزب الله”، التي كانت الدليل الأبرز على أن “الوزارة” لدى الممانعين في تلك الحكومة كانت مجرّد بطاقة مرور نحو تحقيق الدويلة.
ويقول قاسم عن قوى 14 آذار: “لا يهمهم حتى ولو ذهب البلد إلى الهاوية، شرط ألا نكون شركاء في بنائه”… وتجدر الإشارة الى أن “حزب الله” لم يكن يوماً شريكاً لا في حكومة ولا في بناء وطن، لأنه لم يعرف بعد معنى المشاركة ولم يختبرها إلا في مشاركته في القتال الى جانب حليفه بشّار. إنها خبرته الوحيدة في المشاركة، وكل ما عدا ذلك من ممارسات في لبنان لا تتعدّى كونها ممارسات ميليشيوية وقمعية… ومن قال لـ”حزب الله” أن المواطن اللبناني الحرّ يريد أن يتشارك الحكم مع من قتل هاشم السلمان، ومع من يخفون المتّهمين في جرائم الاغتيال ومحاولات الاغتيال؟ ومن قال لـ”حزب الله” أن الأم التي هاجر ابنها للعمل أو للدراسة تريد أن تتشارك القرارات مع من يتاجرون بالمخدرات في الجامعات وبين الشباب؟ يكفي الحزب وأربابه ادّعاءات بمناداتهم بجمهورية أفلاطون، لأن أفلاطون نفسه لم يتمكن من تطبيق فلسفته على أرض الواقع… ولأن “الأمر الواقع” يفرض ظرفه!