كتبت صحيفة “الراي” الكويتية:
حركة في اتجاه الخارج من دون برَكة في الداخل…هكذا بدت «الحال اللبنانية» مع عودة رئيس الجمهورية ميشال سليمان من «الماراثون» الديبلوماسي في نيويورك، ومع استعداده للإقلاع مجدداً في جولة خليجية «على دفعات» اولى محطاتها زيارة المملكة العربية السعودية يوم الاربعاء المقبل.
ورغم الانجازات التي حققها لبنان في نيويورك من خلال الاحتضان الدولي لاستقراره وتحصينه ما أمكن من تداعيات الزلزال السوري، فإن الداخل اللبناني بدا على موعد مع موجات من «عضّ الاصابع»، لاسيما حول طبيعة الحكومة المقبلة وتوازناتها السياسية والمصاعب التي تعترض تشكيلها.
ويعكس «التدافع الخشن» بين طرفيْ الصراع (8 و14 اذار) محاولات متبادلة لفرض امر واقع في تشكيل الحكومة وتوازناتها عبر دفاتر شروط متناقضة، وكأن الطرفين يحاولان تحقيق مكاسب ما قبل اتضاح طبيعة «التفاهمات الكبرى» بين اللاعبين الدوليين والاقليميين كـ «مَلاحق» للتسوية الاميركية – الروسية في شأن «الكيماوي» السوري.
ولم تكن بيروت قد «فرحت» بتشكيل مجموعة دعم دولية للبنان ستكون على اهبة الاستعداد لمساندة «بلاد الارز» عندما تقتضي الحاجة، حين جرت عملية خلط اوراق في ملف تشكيل الحكومة عبر موقف لـ «القطب الوسطي»، الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، الذي تراجع عن دعمه للتفاهم بين الرئيس سليمان والرئيس المكلف تشكيل الحكومة تمام سلام على الصيغة المتوازنة للحكومة القائمة على «8 – 8 – 8»، وذهابه الى حد التسليم باعطاء الثلث المعطل لـ «حزب الله» الذي اعلن نائب امينه العام الشيخ نعيم قاسم ان صيغة الثلاث ثمانيات «مرفوضة ومستحيلة لانها ليست حكومة وحدة وطنية جامعة»، معتبراً أن «هناك خيارين للحكومة، إما حكومة وحدة وطنية جامعة، او استمرار حكومة تصريف الأعمال الى ما شاء الله».
وتبعاً لذلك، وبعد إطلاق جنبلاط «رصاصة الرحمة» على صيغة «8 – 8 – 8» ورغم تمسُّك الرئيس المكلف وقوى 14 آذار بتحقيقها، لاحظت اوساط سياسية في بيروت ان تشكيلة الـ «9-9-6» التي ينال بموجبها فريقا 8 و 14 آذار الثلث المعطل مقابل ستة وزراء لكل من سليمان وسلام وجنبلاط عادت الى التداول كاحدى الصيغ لحكومة «قابلة للحياة» اي تنال ثقة البرلمان.
وبحسب هذه الأوساط فان اي دفع لصيغة «الثلثين المعطّلين» يحتاج الى غطاء اقليمي يوفّر «الحماية» لمثل هذه المعادلة التي توفّر لطرفيْ الصراع في لبنان وامتدادهما الاقليمي «توازناً سلبياً» في الحكومة يتيح مواكبة «المرحلة الجديدة» في «التواصل المباشر» الاميركي – الايراني كما مساعي التقارب السعودي – الايراني الذي ينتظر محطة مهمة له خلال زيارة الرئيس الايراني حسن روحاني للمملكة العربية السعودية التي تحددت رسمياً في 13 تشرين الاول، حيث سيؤدي فريضة الحج ويلتقي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز.
الا ان الاوساط نفسها تحاذر اي قفز الى استنتاجات بامكان تحقيق مثل هذا الاختراق في الملف الحكومي، رغم توقفها عند اشارات تحدثت عن طروحات لجعل مسألة الثلث المعطّل «مضمرة» اي ان تحافظ ولو بالشكل على الثلاث ثمانيات التي يؤيدها ايضاً بقوة رئيس الجمهورية وهذا ما يمكن ان يحصل من خلال العودة الى ما سبق ان تم تداوله سابقاً اي ان يكون وزيرا الثلث المعطّل في 8 و14 آذار من حصتيْ سليمان وجنبلاط مثلاً وان يكون طرفا الصراع شريكين في تسميتهما.
كما لفتت الاوساط السياسية الى ان المداولات الحكومية لا تشتمل فقط على التوازنات في الحكومة بل تتجاوزها الى عقدة المداورة في الحقائب التي سبق ان اعلن الرئيس المكلف تمسكه بها، وسط انطباع بان هذا الامر يمكن ان يدخل دائرة المقايضات سقوف التفاوض بمعنى ان تتم مبادلة اي تساهُل من الرئيس سلام على صعيد الصيغة الحكومية بتشبث بالمداورة التي يرفضها العماد ميشال عون في شكل قاطع فيما يؤيدها اطراف عدة في 8 اذار وبينها الرئيس نبيه بري الذي يضع عينه على وزارة الطاقة او «النفط» التي يتولاها جبران باسيل (صهر عون).
وتبدي الأوساط نفسها قناعة بأن أي بلورة للاتجاهات في الملف الحكومي لن تتم قبل زيارة روحاني للسعودية التي يتوجّه الرئيس سليمان اليها الاربعاء المقبل للقاء الملك عبد الله بن عبد العزيز وكبار المسؤولين وربما الرئيس سعد الحريري اذا كان في المملكة، على ان يعود الى بيروت لمدة يومين ينطلق بعدها بجولة خليجية بدءاً بدولة الامارات العربية المتحدة. علماً ان سليمان كان اختتم محطته في نيويورك بلقاء مساعد الامين العام للامم المتحدة جيفري فيلتمان والمنسق الخاص للامم المتحدة لدى لبنان ديريك بلامبلي حيث بحث معهما في نتائج اجتماع مجموعة الدعم الدولية من اجل لبنان وسبل وضع ما تم التوافق عليه موضع التنفيذ.
وفيما كانت الأنظار شاخصة امس الى لقاء يفترض ان يُعقد في ايّ لحظة بين الرئيسيْن سليمان وسلام، استوقف الاوساط السياسية اللقاء النوعي الذي عُقد على مدى ساعتين مساء اول من امس بين رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس كتلة «المستقبل» فؤاد السنيورة، علماً ان هذا اول تواصل مباشر بين الجانبين بعد اعلان بري مبادرته الحوارية التي رفض «المستقبل» بندها الاول اي مناقشة شكل الحكومة وبيانها الوزاري باعتبار ان هذا من صلاحيات رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية.
وقد نُقل عن مصادر في كتلة «المستقبل» ان البحث بين بري والسنيورة تناول كل المواضيع المتداولة بشكل كامل بصراحة وجدية وبطريقة بنّاءة، موضحة أن رئيس البرلمان كان بادر الى الاتصال برئيس كتلة «المستقبل» الأربعاء ودعاه لشرب فنجان قهوة عنده (في عين التينة) الخميس، وهذا ما جرى، وذلك استناداً إلى نتيجة زيارة اللجنة النيابية المكلفة من بري شرح مبادرته الحوارية لكتلة «المستقبل» الأسبوع الماضي، حيث كان جو الاجتماع إيجابياً.