ستُباع وصية نابوليون بونابرت التي حُرِرت في جزيرة سانت هيلينا حيث نُفيَ عام 1815، والتي دُوِّن فيها آخر رغباته قبل أن توافيه المنية، في مزاد Druot العلني في السادس من تشرين الثاني 2013.
قبل وفاته بـ 19 يوماً وكان قد مرَّ نحو 6 سنوات على نفيه الى جزيرة سانت هيلينا، علم الإمبراطور نابوليون بونابرت انّ ساعة الرحيل قد اقتربت فلقد هدَّ المرض حيله وخارت قواه. فما كان منه الّا أن همس بجهد جهيد لمساعده الجنرال الكونت دو مونتولون، الشخص الوحيد الذي سُمح له البقاء الى جانبه حتى اللحظة الأخيرة، قائلاً: “يا بنيّ يجب أن أنهي ما بدأته، أشعر بأجَلي يقترب”.
كان نابوليون قد بدأ كتابة وصيته الأخيرة في مقر إقامته في لونغ وود، في حضور الجنرال دو مونتولون المخلص والوفي الذي رافقه خلال انتصاراته وعندما هزمته المعارك، لم يتخلَ عنه. وعُلم انّ الجنرال تقاضى مبلغ مليونَي فرنك مكافأة على جهوده.
بعد ذلك جلس نابوليون في السرير حاملاً بيد لوحاً من الكرتون، وغامساً بأخرى ريشته في المحبرة التي حملها له أحد الذين نفّذوا ما ورد في وصيته. إستهلّ وصيته التي حرَّرها في 16 نيسان عام 1821 كالآتي:
“أريد ان يرقد رمادي على ضفاف نهر السين وسط الشعب الفرنسي الذي أحببته كثيراً”.
تتصدّر هذه العبارة الاسطورية النسختَين الملحقتَين الأوليَين التابعتين للوصية الأصلية التي ستباع في مزاد Drouot العلني في السادس من تشرين الثاني المقبل “تحت مطرقة المحامي كاستانديه Me Castandet”. كتب هذه الوصية أكثر من مرة، ما بين 13 و19 نيسان عام 1821 وشدَّد على أن تُفتح “في أوروبا في حضور جميع الأشخاص الذين وقّعوا على الظرف الذي وُضعت فيه”. ثم عكف على تقسيم “التركة” التي تشتمل على أموال ومفروشات وفضيات وخزفيات ومجوهرات واسلحة وكتب.
وللحؤول دون مصادرة الانكليز لها، وهب نابوليون كلّ ممتلكاته في جزيرة سانت هيلينا للقريبين منه أمثال، برتران ومونتولون ومارشان ووالدته التي وصفها بالـ”الطيّبة جداً والغالية” شرط عدم بيع أيّ “منقول” سبق واستخدمه.
بيد انّ المزاد العلني سيُخالف إرادته… في الواقع، إنّ ملحقَي الوصية الأولّين اللذين يمثلان الصفحتَين المخطوطتَين باليد هما فريدتان وكُتبتا خصيصاً لتضليل حراس السجن البريطانيين وإشاحة أنظارهم عن الوصية الأصلية التي بدأ كتابتها في 15 تموز 1819 خلال عبوره الى إنكلترا على متن سفينة “بيلروفون”. ثم كتب النسخة الأولى في آب 1819 وإئتمن عليها الجنرال برتران. وبعد ذلك حرّرت الثانية ما بين 13 و29 نيسان 1821.
مصير مضطرب
بذل الامبراطور جهداً كبيراً للإفلات من القيود التي يمكن أن تضعها الحكومة الإنكليزية لمنعه من تحقيق رغباته الأخيرة. وتحسّباً اعدَّ وصيته في نسختين خوفاً من إقدام انكلترا على إتلاف النسخة الأصلية وضياعها الى الأبد وفقاً لجان بيار شالنسون المسؤول عن Cercle France Napoléon لذا طلب من مساعده الجنرال مونتولون إعادة تحرير النص الأصلي للوصية فورالإنتهاء من كتابتها وأوصاه باستخدام الحبر نفسه ونوعية الورق عينها.
من اجل هذا السبب نجد ثلاثةَ تواقيع بإسم الجنرال على الصفحة الاولى من الوصية للتأكيد على صحتها. كان نابوليون يعلم ان مونتولون سينجو من التفتيش.
عرفت فرنسا في عهد نابوليون المجد والعزّ بعدما أحرزت انتصارات باهرة وهزمت الدول التي هاجمتها. تزعّمت بفضل مكاسبها القارة الأوروبية لدرجة إقدامها على التدخل في شؤون البعض منها وأقامت تحالفات مع البعض الآخر. بيد انّ غزو نابوليون لروسيا عام 1812جلب له المتاعب وجرّ على جيشه الويلات.
وفي سنة 1813، هزمت قوّات الائتلاف السادس الجيشَ الفرنسي في معركة الأمم. وفي السنة اللاحقة إجتاحت هذه القوّات فرنسا ودخلت العاصمة باريس، وأجبرت نابليون على التنازل عن العرش، ونُفيَ إلى جزيرة ألبا. هرب بونابرت من منفاه بعد أقلّ من سنة، وعاد ليتربّع على عرش فرنسا، وحاول مقاومة الحلفاء واستعادة مجده السابق، لكنه هزم شرّ هزيمة في معركة واترلو. وفي تموز عام 1815 إستسلم بونابرت للبريطانيين، الذين نفوه إلى جزيرة سانت هيلينا، المستعمرة البريطانية، حيث أمضى السنوات الست الأخيرة من حياته. أظهر تشريح جثة نابليون أنّ وفاته جاءت كنتيجة لإصابته بسرطان المعدة، رغم أنّ بعض العلماء أكّدوا انّ الوفاة حصلت بسبب التسمّم التدريجي بمادة تسمّم بها الفئران.
الإستئثار بالوصية
رفض الانكليز تسليم وصية نابوليون فور وفاته ولم يتنازلوا عنها حتى 16 آذار 1853، اي بعد 13 عاماً على عودة رماد الإمبراطور الى فرنسا بأمر من لويس فيليب (ملك الفرنسيين). وبعد ذلك طالب بها ابنه غير الشرعي، الكونت ألكسندر كولونا والويسكي Alexandre Colonna Walewski، حيث توجّه مباشرة الى فيكتوريا ملكة الممكلة المتحدة- بريطانيا العظمى وإيرلندا. وأثناء حكم نابوليون الثالث حُفظت في خزنة حديدية مع كلّ الوثائق وإخراجات قيد العائلات المالكة الفرنسية.
يذكّرنا مصير وصيّة نابوليون المضطرب بوصيّة لويس الرابع عشر التي حُفظت في أحد أبراج قصر العدل قبل اختفائها كلياً على مدى قرنين ثم قُدِمت هدية للأرشيف الوطني.
النسخة الأصلية
حُفظت النسخة الأصلية من وصية الأمبراطور في الأرشيف الوطني وهي مؤلفة من 14 صفحة فضلاً عن ثمانية مُلحقات ومُذكرات ورسائل منها رسالة لابنه دوق Reichstadt دوّنها على “ورقة لعب”. وهناك نسخة ثانية هي نموذج عن الأولى كَتب جزءاً منها الأمبراطور نفسه في 15 نيسان وسلَّمها لمرشده الخاص الأب فينيالي خلال سرّ الإعتراف. وهي حالياً محفوظة في أرشيف صاحب السموّ الامبراطوري الأمير نابوليون. وهاتان النسختان الملحقتان هما الوثيقتان الوحيدتان المنسوختان عن الوصية الأصلية، ووصلتا الى مركز المزادات في “اوتيل دروو” من ورثة الجنرال مونتولون قبل ان تصبح مُلكاً خاصاً. يُقدَّر سعرها ما بين 80 و120 الف يورو وهذا مبلغ معقول بالنسبة لدرّة تاريخيّة فرنسية. اذا كان هذا هو سعر النسخة فكم سيكون سعر الوصية الأصلية الممهورة بتوقيع نابوليون؟ إنها محفوظة في مكان سرّي ضمن اهم المجموعات الباريسية التابعة للامبراطور.