#adsense

أي مآل للعلاقات السعودية – الإيرانية؟

حجم الخط
يختلف المهتمون بالعلاقات السعودية ـ الإيرانية حول طبيعة ما ستؤول إليه في المرحلة المقبلة. ففيما يصرّ البعض على أنّ هذه العلاقات ستستمر في توترها وتصاعدها حتى يُحسم الأمر لأحد الطرفين في المنطقة كلها، يعتقد البعض الآخر انّ هذه العلاقات ماضية الى التطبيع بين الرياض وطهران والتكيّف مع المعطيات الإقليمية والدولية الجديدة، وذلك في ضوء زيارة الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني للسعودية بناء على دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز.
يعزو الفريق المتشائم رؤيته إلى انّ ما بين البلدين خلافات عقائدية واستراتيجية، وحتى شخصية على مستوى القيادة، وانّ الرياض لن تهادن طهران، كما انّ طهران ليست مستعدّة لتقديم أيّ تنازلات للرياض، وهي التي لم تقدم أيّ تنازل لواشنطن نفسها.ويعتقد هؤلاء المتشائمون انّ النزاع بين الرياض وطهران هو نزاع على زعامة المنطقة، تماماً كما كان النزاع يوماً بين الرياض والقاهرة في زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وهو نزاع أنتج يومها حرباً مريرة استمرت لسنوات على أرض اليمن بعد الإنقلاب الذي قاده المشير عبدالله السلال عام 1962 وأطاح حاكم اليمن الإمام محمد البدر حميد الدين.

إلاّ انّ المتفائلين يرون انّ العلاقات بين البلدين محكومة بالتطبيع والتفاهم، لأنّ فيهما قيادات عقلانية تدرك مخاطر الإشتباك المباشر بين هاتين الدولتين الكبيرتين الرابضتين على طرفَي الخليج، وأنّ قيادتَي البلدين تدركان أنّ في يد كلّ منهما من الأوراق ما يمكنها من إلحاق أذىً بالغاً بالطرف الآخر. فالرياض بما لها من ثقل في العالم الإسلامي تستطيع محاصرة طهران مذهبياً وسط مئات الملايين من المسلمين السنّة من جاكرتا حتى طنجة، وتدرك حساسية الجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاه هذا الأمر، وهي التي نظرت إلى نفسها بعد الثورة التي قادها الإمام الخميني على أنها مؤهلة لقيادة المسلمين جميعاً. وطهران تدرك أنّ الرياض أيضاً قادرة على إنهاك حلفائها في بلاد الشام، وهي تحاول ذلك فعلاً في سوريا وتقف وراء خصوم “حزب الله” في لبنان، ناهيك عما تمتلكه اليوم من نفوذ في مصر بعد سقوط حكم “الإخوان المسلمين”، وهو ما يهدّد حلم طهران التاريخي بإقامة أفضل العلاقات مع مصر.

وتدرك الرياض أيضاً أنها تملك من القدرات الإقتصادية ما يمكن أن يؤثّر في عزل طهران عن دول فقيرة متعدّدة في العالم، ناهيك بالدول الغنيّة نفسها، ولكنها في المقابل تدرك أنّ إيران تؤثر بمقدار كبير في الأوضاع الداخلية والحدودية للمملكة العربية السعودية والدول الشريكة معها في مجلس التعاون الخليجي، فإيران قادرة على التعاطي مع معارضي البحرين ومع أهالي المنطقة الشرقية في السعودية، ومع الحوثيين في شمال اليمن، ناهيك عن قدرتها على نسج “تفاهم إستراتيجي” مع إسلاميين سعوديين بارزين متأثرين بـ”الإخوان المسلمين” الذين ما زالت طهران حريصة على إبقاء “شعرة معاوية” معهم على رغم كلّ ما كالوه لها من إتهامات.

وتدرك الرياض أيضاً أنّ طهران باتت ذات نفوذ متمادٍ يمتد من لبنان وفلسطين إلى سوريا والعراق وصولاً إلى أفغانستان وباكستان، فضلاً عن كون إيران هي العضو غير المُعلَن في مجموعة دول “البريكس” التي تضم، إلى روسيا والصين، كلاً من البرازيل والهند وجنوب إفريقيا، وبالإضافة الى موقعها في دول أميركا الجنوبية، ولا سيما منها فنزويلا الغنية بالنفط.

كذلك تدرك الرياض أنّ إيران هي من الدول الصاعدة على الصعيدين الإقليمي والدولي، بل يمكن القول إنها أصبحت دولة إقليمية عظمى يصعب إنجاز الحلول في المنطقة من دونها، وهذا ما يفسّر الخطاب الإيجابي تجاه إيران الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما مِن على منبر الأمم المتحدة، ناهيك عن تصريحات وزير خارجيته جون كري نفسه الذي تحدث عن استعداد بلاده لرفع العقوبات عن إيران سريعاً، إذا ما تجاوبت مع معالجات الملف النووي في اجتماعات ستحضرها طهران في أواسط الشهر المقبل.

وتدرك الرياض أيضاً وأيضاً أنّ النفوذ الإيراني في بلاد الشام، وإن كان يواجه بعض الصعوبات، فإنّ الامور تسير في إتجاه ترسيخ قوّة حلفاء طهران في هذه الدول.

ويؤكّد هؤلاء المتفائلون بقرب حصول إنفراج في العلاقات السعودية ـ الإيرانية، أنّ ما يجمع بين البلدين من مصالح مشتركة وعقيدة واحدة، وما يهدّدهما من مخاطر مشتركة أيضاً، سيكون عاملاً مهماً في ترجيح كفة المعتدلين في البلدين والذين يتطلعون إلى خروج العلاقات بينهما من حال الإحتقان والتوتر التي تضرّ بهما معاً. ويضيف المتفائلون، أنّ جزءاً كبيراً من تشدّد الرياض إزاء طهران لم يكن عقائدياً، سببه في الدرجة الاولى السياسة الأميركية من أجل الضغط على إيران سياسياً وإقتصادياً، وحتى أمنياً، ما دام خيار الحرب ضدّ طهران غير ممكن.

وبمقدار ما تنفرج العلاقات الاميركية ـ الايرانية، ستتحسن العلاقات بين الرياض وطهران المدعوّتين إلى حوار هادف بينهما يسعى الى حلّ كلّ المشكلات المطروحة في المنطقة، ويوجد نواة نفطية صلبة لا يمكن معها الضغط نفطياً على طهران أو إبتزاز الرياض في نفطها ومواردها. وبلا شك، مع هذا الإنفراج المرتقب، ستشهد المنطقة إنفراجات متعدّدة، خصوصاً في لبنان الذي بات الطرفان السعودي والإيراني يملكان تأثيراً كبيراً فيه.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل