ومن خلال هذه المواجهة الميليشيوية (المحبوبة جداً) وجد الحزب مدى التململ والشعور بالمهانة (ولو متأخراً) لدى ناسه. حواجز وشتائم وزحمة سير وعنف. و”اعطيني تذكرتك” و”لوين رايح” و”وين كنت” و”شو معك بالسيارة” و”افتح لي الصندوق” و”انت بلا زمير” و”انت واقف هونيك” كل هذا ذكِّر من له ذاكرة بالميليشيات القديمة، وويلات الحواجز المذهبية في السبعينات… والمآسي والجنون وقلة التهذيب والقمع واحتقار الانسان والاستعلاء والخوف… هذا التململ وضع الحزب الذي بدأت تظهر في بيئته “تصدعات” و”خروجاً” على الصمت ورفضاً للأمر الواقع تماماً كما حصل عند ناس الميليشيات في السبعينات والثمانينات. ذكرى سواد نعم. وحمراء من الدم… وشاحبة من الرعب، حواجز الترويع هذه ومن خلال ما يعاني الأهالي من فقدان ابنائهم (جنوباً وضاحية وبقاعاً) دفاعاً عن النظام البعثي (المؤمن كايمان الحزب) إضافة إلى الوضع الاقتصادي، وإلى ملامح “تمرد”.. ولو صامتاً، أو مقموعاً، أو مستوعباً أو محبوساً، أن الأمور لم تعد كما كانت. وهنا بالذات، رأى الحزب ان يستحضر “طيف” الدولة لا لاعترافه بها ولا لتعزيزها. وانما لاستخدامها لكي تكون واجهة محددة الملامح، والأدوار. لتنوب عنه فترة محددة، يحتوي فيها ترددات “طفرة” امنه الذاتي، ويبقى كل شيء على حاله، الكانتون سليم، ومحمي من الدولة. محروس بالجفون. ومغطى بستائر شفافة. اما الصلاحيات فتبقى من الخلف حزب الله وفي الواجهة الجيش. فهل يمكن القول إن الحزب بات في خدمة الدولة. ام الدولة مستمرة في خدمة الحزب. وهل يمكن القول إن من لبّى “طلب” الحزب لإعانته على الخروج من “محنته”، سيفكك الكانتون ام انه سيعزز “شرعنته” و”تقوننه” واللافت أن الأمن العام نزل إلى الساحة أيضاً. وهذا فصل جديد من فصول نزول الأجهزة بقضها وقضيضها لتحل محل “حزب” الأمن الذاتي. اهلاً وسهلاً بكم في وطنكم الثاني “الضاحية”! (هذه العبارة المشهورة للرئيس الراحل شارل حلو عندما استقبل وفداً من الصحافة اللبنانية…) انه مشهد غرائبي قد يذكر بحكايات “اليس في بلاد العجائب” واهلاً بالدولة. ولم لا استرجاع شعار “الأمن من الايمان” وإلى “الدولة من الايمان” و(ولكن اي دولة. وأي ايمان!) وتراكض الصحافيون يسألون الناس ما رأيكم؟ وراحت تكر المسابح والكركرات: نحن والجيش واحد. أهلاً وسهلاً بالزوار شرفتم هالدار.. والبيت بيتكم. ونحن الضيوف وأنتم أهل المنزل.. و”نحن نعم الضيافة” والكرم والجود وإيه لبنان! وأيه وايه! وليت عمري، و”انت عمري”. وهايغالوا هايغالوا.. رائع! لكن ومن خلال هذه الغمائم الفولكلورية والضحكات الواسعة، العفوية منها والصفراء، يتساءل من له ان يتساءل: طيب طلب الحزب الجيش ليتولى الأمن. صدقوني عال. هذا ما يطلبه اللبنانيون المؤمنون بالدولة والجيش (سياج الوطن) والقوى الشرعية. هذا مطلب “الآخرين” اي خصوم الحزب. وها هو الحزب “يجسد شعارهم”. حزب السلاح يستحضر سلاح الدولة بطلب حزبي موثق، و”بترحيب” حزبي معلن. عال! هذا في الضاحية (لا نريد ان نوسع الموضوع إلى الجنوب والبقاع وزحلة وبيروت! وإلى الحدود الشمالية) ولكن ماذا عن طرابلس؟ 90 بالمئة من أهل طرابلس يطالبون الدولة باسكات لغة السلاح. 90 بالمئة من اهل طرابلس يستجدون الدولة ان تكون القوة المسلحة الشرعية في مدينتهم. 90 بالمئة من أهل طرابلس يطالبون الدولة بنزع كل الأسلحة، وتسليمها للقوى العسكرية. ففي طرابلس مئات الألوف يطالبون… ولا من مستجيب: طرابلس خط أحمر. اسلحة جبل محسن خط أحمر. أسلحة حزب السلطة السورية في جبل محسن “مقدس”.. لأنه “وُجد” لخدمة “المقاومة” و”الممانعة” والكل يعرف ان كل ما تلمسه المقاومة (السابقة) يتحول مقاماً مقدساً، حتى السفارة الإيرانية مقام مقدس والدليل اغتيال الشهيد هشام السلمان على بابها لأنه مع مجموعة من الطلاب تجرأوا على “تدليس وتدنيس” حرم” سفارة ولاية الفقيه في لبنان.
واذا كانت الضاحية أو تخومها أو أطرافها وبعض زواريبها الهامشية قد أوكل الجيش مهمة “أمنها” فطرابلس ما زالت مهددة من “القوى” التي عهدت” امنها الذاتي الخارجي إلى أطراف من الجيش والأمن العام (طبعاً ما عدا قوى الأمن الداخلي على حد علمنا). فهذه القوى لن تعطى تأشيرة دخول لعبور حدود الضاحية الوهمية التي تبدأ هنا ولا تنتهي في دمشق وعربستان.
“تسمعت” صدفة (ومن باب الفضولية المجانية) إلى وزير الداخلية مروان شربل الذي كان صرح بعد هجوم بعضهم من مقامات الضاحية والتطاول عليه بأنه قوبل بالقبل والرز والبرغل بدفين هناك، تسمعت اليه وهو أصلاً شخص آدمي ويذكرنا بـ”أبو ملحم” ويا “مدير” لمحمد شامل، بأنه “سيتم البحث في مطالبة البعض بمسألة طرابلس” . سيتم البحث أذاً. لكن رفعت العيد وكيل النظام السوري (الممانع) هو وسلاحه المتدفق من حزب الله والنظام البعثي، خط أحمر. فماذا سنفعل. لا شيء! فمطالبة “الناس” (ولو 100 %) لا تعني أحداً ازاء إرادة الحزب. والحزب الجاري على عاداته الكانتونية و”البُؤْرية” ويطلب ولو (إلى حين) تسلم أطراف من الجيش مهمة حفظ الأمن في الضاحية، لكنه وقطعاً سيرفض ان توضع خطة جذرية لمعالجة (كانتون رفعت العيد) ومدافعه وصواريخه. وهذا طبيعي فاستراتيجية الحزب لمقاومة اسرائيل تستدعي ابقاء كل سلاح “ذاتي” (باستراتيجية ذاتية بأمرة خارجية) تماماً كما في عمق الضاحية، وفي البقاع وعلى امتداد الحدود مع سوريا. فهذه “الاستراتيجية” مزروعة بالخطوط الحمر. والسلاح الأسود وقمصانه وصبابيطه واشاراته الصفر. ذلك ان السلاح داخل الضاحية، صغيرة وكبيرة، باق باق باق! وأطراف الجيش التي هلل بعضهم لدورها المستجد، تتحرك وسط غابات السلاح، والمُسلحين لكن من دون قمصان ولا أزياء ميدانية، إلى درجة التداخل والتواصل مع القوى الشرعية. فكل شيء باق على حاله في الضاحية الجنوبية وفي الضواحي الأخرى، من أقصى الجنوب إلى قلب البقاع.. فإلى زحلة (فمقاومة اسرائيل تمر في زحلة تيمناً بتصريح أبو اياد المشهور ان طريق فلسطين تمر بجونيه!) . فطرابلس (على الأقل في الوقت الحاضر الذي تثار مسألة السلاج الميليشيوي فيها) خارج الهاجس الأمني. ونداءات اهليها خارج الخدمة. وكذلك الحدود مع سوريا.
وفي هذا الاطار، وعلى الرغم من “هللويا” و”يا هلا هلا بالجيش” و”اشتقنالك” و”وين كنتو يا غايبين” و”يا حبايبي يا غاليين” و”بشائر الغبطة عند بعضهم بأن حزب الله بدأ بالاعتراف بوجود جيش لكل لبنان ودرك لكل لبنان، وقوى أمنية بكل لبنان، وبانه ضم أخيراً “حدوده” الى حدود لبنان بما يشبه الوحدة بين سوريا ومصر في نهاية الخمسينات، أو مشروع الوحدة بين ليبيا ومصر… (رائع)، أو الحد الأدنى من التكامل “الجمهوري” بين جماهيريته و”جُميهيرية” الشعب اللبناني فان عودة “الابن الشاطر” إلى حضن ابيه لبنان لن تكون كلها سوى لقاء على “السطوح”. على مساحات الاسمنت التي تخفي تحتها الأسلحة والانفاق التي تخبئ المسلحين، وغابات “الاتصالات” الخاصة والحزبية التي تتجسس على “الدولة” تجسسِّها على الشعب، فكل شيء ما زال “متماسكاً” في الكانتون الالهي. وسائر الكانتونات. كل شيء ما زال متيناً. لكن تحس ان القوى الشرعية التي تحتل ما تحتل من النقاط وتتولى تدبير شؤون السير والأشارات الحمر وطلب التذاكر وفتح صناديق السيارات، كأنها تتحرك على رمال متحركة. أو كأنها جاءت لكي لا تجيء. او كأنها تولت أموراً وقتية، محددة، مفرزة لها العناصر “المطلوبة” من الافراد والقيادات التي لا تشكل “تهديداً” لمناعة المقاومة ولا لحدودها المرسومة ولا للمخابئ التي تخفي داخلها المتهمين الأربع باغتيال الحريري أو مجرمي “الكبتاغون” و”الأدوية المزورة” والمتهمين بمحاولة اغتيال النائب بطرس حرب (محمود الحايك أحد ابطال المقاومة الاشاوس الذي باتت مهمة تنفيذ الواجب الجهادي باغتيال رموز 14 آذار غدراً وجبناً وعمالة وبربرية!). لكن ازاء هذه النظرة السالبة اليس هناك أي بصيص تفاؤل في تسليم الجيش مهمة الأمن (مناوبة لا بديلاً من الأمن الذاتي. أو على الأقل مداورة؟) نعم! اهالي الضاحية هم أبطال هذا “التنازل” الجزئي الموقت للحزب. فقد اكتشفوا الوجه الميليشيوي اليومي البشع للحزب. وبدأوا يخافون حتى اللون الأسود الذي يرتديه “غستابو” الحزب. انتقل الابهار “بعظمة” الحزب إلى خوف منه. وقد تمّ التعبير عن ذلك بطرق عديدة، مباشرة وغير مباشرة. فالاهانات اليومية التي كان يرشق مسلحو الحواجز بها الناس، ادركت عزتهم وكراماتهم. فحزب “كرامة الشيعة المُهدرة” ها هو ينتهك كرامات من وضعوه في مرتبة التقديس. (تذكروا مسار ميليشيات السبعينات مع أهليهم وبنياتهم الحاضنة تعرفواجيداً مكامن نفوس اهالي الضاحية). فمن تململ الى تذمر، الى مشاعر مجروحة. ها هي ملامح الخروج من السجن والتمرد على الجلادين!
الحزب واستيعاباً لهذه “الظواهر” المستبطنة والظاهرة كان له ان يلجأ إلى “الدولة”! وهكذا تتحول النقمة عند اهالي الضاحية من الحزب إلى الدولة. وأول من سيتهم “الدولة” بكل تقصير عن حماية الضاحية هو الحزب نفسه تمهيداً لاعلان “فشل” الدولة عن معالجة الأمور… وهكذا تعود “الأمور” إلى مجاريها عندما “يشعر الناس” بالخيبة من الدولة ليعودوا إلى حضن الدويلة!
هل هذا صحيح كلياً: لا! فالأساليب الحزبية الميليشيوية لم تعد صالحة للوقائع الجديدة التي ستظهر نذائرها مع الوقت، عندما تتولى الدولة فعلياً حماية “شعب” الحزب من الحزب، لتكون له الحرية المطلقة بالصراخ والثورة وقلب الطاولات والأسلحة وولاية الفقيه والاستعمار الايرانية.. ويعود الناس إلى حضن الدولة… لا عودة الدولة إلى حضن الحزب، بمعنى آخر اجبار الدولة على حمايتهم من الحزب، لا قبول حماية الدولة لحزب الدويلة.