
كما من كل مصيبة لها “نصيب”، منطقة باب التبانة تودع أبناءها الذين قضوا في حادثة غرق العبَّارة في أندونيسيا لحظة عبورها لأوستراليا والتي كانت تشكل باعتقادهم “بر الأمان” لحياتهم، فاذا بالقدر المحتوم يلحق بهم ويوقعهم ضحايا “الطمع والجشع” لكبار المافيات الذين يتلاعبون بحياة البشر كما يحلو لهم.
الواقع بأن روايات كثيرة تلاحق هذه الكارثة فهناك من يقول بأن الضحايا ركبوا العبَّارة على “أمل أن تقلهم الى باخرة أكبر” فاذا بهم يتفاجأون بعدم وجودها مما يضطرهم العودة الى اندونيسيا وفي وسط الطريق ينفد الوقود من العبَّارة والتي تستسلم “للأمواج العاتية”، ورواية أخرى تقول بأن الضحايا وصلوا الى المياه الأوسترالية بيد انهم منعوا من الدخول وفي طريق العودة “أعطي الأمر بتصفيتهم من قبل المافيات حتى لا يطالبوا بأموالهم التي دفعوها ثمناً لرحلة لم تحقق لهم الا المصير المحتوم والذي في الواقع هربوا منه من باب التبانة ليلقوه متربصاً لهم في المياه الاقليمية فقضوا غرقاً بعدما أعناهم تعب الاقتتال الدامي والمستمر منذ سنوات طويلة بين منطقتي التبانة وجبل محسن”.
هم هربوا من واقع مرير ولم يكن في حسبانهم بأن ما سيطالعهم سيكون أمرّ حينما سيخسرون أولادهم الصغار في عرض البحر، “طفشوا من أزماتهم ليطالعهم ما هو أسوأ” وكأن مقولة “يا هارب من قضائي ليس لك من رب سواي” تنطبق أكثر ما تنطبق على حياتهم وواقعهم المرير، كونهم وبرمتهم يقطنون في شارع سوريا والذي يشكل خط التماس بين التبانة وجبل محسن، الأمر الذي قد يلخص معاناتهم لحين قبولهم بعرض الهجرة الى اندونيسيا ومنها الى اوستراليا فالعمل فتأمين المستقبل لأولادهم، هم استجابوا وكما يقول أهلهم لطلب المكتب الذي سيؤمن لهم الهجرة والذي يعود لآل طيبا وخزنا من طرابلس مقابل مبلغ عشرة آلاف دولار للشخص الواحد، وبالرغم من كل النصائح التي تلقاها الأهالي الا ان آل الراعي والحراز والغمراوي وابن عبدو أبوا الا أن يهاجروا عن التبانة والتي عانوا فيها الكثير من الويلات لتنتهي حياتهم في عرض البحار محملة الدولة وزعماءها مسؤولية هدر حياتهم.
أحمد عبدو والد المفقود مصطفى الذي لم يتجاوز عمره ال24 سنة من سكان باب التبانة قال: “قرر إبني الذهاب الى أوستراليا بحثاً عن العمل، وإن كان هناك من كلام حول كيفية تأمين مبلغ العشرة آلاف دولار أقول بأن مصطفى إستدان المبلغ بالكامل من زملائه هو رفض أخذ مصروفه مني كما كان يرفض السلوك بالطرق الغير قانونية وهنا لا بد للدولة من الإلتفات لهؤلاء الشباب الذين يرمون بأنفسهم في التهلكة هؤلاء هم مستقبل لبنان”.
وبغصة كبيرة قال: “عليكم الإلتفات لشعبكم وبلدكم كفاكم مهاترات” إبني من الشبان الطيبين الذين ينشدون العيش بسلام بيد إن المشاكل الإقتصادية والأمنية التي نتخبط بها منذ سنوات طويلة دفعته للهجرة بحثاً عن الإطمئنان. ونفى الوالد أن يكون على علم بسفر إبنه إلا قبل يومين وقد حاول كثيراً منعه إلا أنه لم يستجب لطلبه، حتى أثناء تواجدهم في أندونيسيا ناشده العودة الى حضن والده ووالدته لكن مصطفى رفض.
طبعاً لم أكن أرغب بسفره ورميه في الهلاك ولكن ماذا عساي أفعل وقد طفش إبني من الجوع والقلة، عمري اليوم سبعون عاماً أعمل في سبيل تأمين لقمة العيش لأولادي، لكن هو إختار البحث عن عمل بهدف إعالتي واليوم بات مصيره مفقوداً لا نعرف شيئاً عنه لذا نناشد الدولة اللبنانية تحديد مصيره لأن ما نعانيه صعب للغاية فإن كان ميتاً فليكن وإن كان حياً فلنعلم أما مفقوداً مأساة لا يمكن تحملها”.
وأشار والد مصطفى الى أنه تم نجاة محمود عبدو أحد أقربائهم وكان مع إبنه على متن العبَّارة لكنه لا يعرف شيئاً عن مصير إبنه مصطفى.
أم سعيد والدة المفقود مصطفى أشارت الى أن ما يختلج في نفسها لا يمكن وصفه وقالت: “أنتظر خبراً سعيداً عن إبني وفي نفس الوقت أحمل الدولة اللبنانية مسؤولية ما نتعرض له من أزمات ولدي هاجر بحثاً عن العمل والحياة الكريمة وإن كان في قرارة نفسه لا يدرك الصعوبات التي ستواجهه. أناشد الجميع البحث عن مصير ولدنا مع ضرورة حل الأزمات التي نتخبط بها. كفانا إستهتاراً بمصيرنا ومن الطبيعي تفكير شبابنا بهذه الطريقة”.
ولدى سؤالها عن إحساسها تجاه مصير إبنها قالت: “هناك إحساس رهيب ينتابني ويقول بأن إبني في خطر ما من أمل عندي بنجاته وإن كنت أتمنى العكس”.
وأضافت: “لم أكن أعلم بسفر إبني بل تفاجأت بالخبر لحظة سفره أتمنى رؤيته بخير”.
علي الغمراوي شقيق مريم غمراوي العروس التي قضت غرقاً وهي حامل في الشهر السادس وزوجها الذي نجا وخلال مجلس العزاء الذي أقامته العائلة في التبانة قال: “أختي وزوجها هاجرا بسبب الوضع السيىء بهدف إيجاد المكان الآمن لتأسيس عائلتهم، زوجها بقي حياً وقد تمكنا من الإتصال به وهو من أخبرنا بوفاة زوجته، كم أخبرنا بأنه في المستشفى يبكي ولم يتمكن من إعطائنا أية تفاصيل، ولم نتمكن من إستيعاب أي كلمة سوى أن أختي مريم قد قضت غرقاً”.
وعما إذا كانت العائلة وافقت على سفر شقيقتهم قال: “بالنهاية زوجها وهي قررا السفر لتأمين مستقبلهما وقد سبقهم منذ فترة طويلة أشخاص كثر من المنطقة وأصدقاؤهم ووصلوا الى أوستراليا أما هما فنصيبهما كان الإفتراق والغرق”.
وتابع: “نحن نحمل الدولة مسؤولية ما حصل بسبب الإهمال وعدم تحمل المسؤولية تجاه المواطنين. فنحن في التبانة نعيش يوم حرب ويوم سلم وليس هناك من يجد عملاً مما يدفع الكثيرين منا الى الهجرة طلباً للعيش الكريم”.
أحد المشاركين في العزاء وهو من آل الراعي والذي فقد شقيقه طلال مع زوجته وطفليه إنتقد بشدة المرابين الذين قبضوا الأموال الطائلة من أجل تأمين هجرة شقيقه واللبنانيين الى أوستراليا، ولفت الى أن العبَّارة التي كانت تنقل اللبنانيين عبارة عن مجموعة أخشاب لا يمكن السفر عليها وليست مركباً كبيراً ونحن بانتظار أن يحقق المسؤولون وعودهم بإعادة الجثث الى ذويهم، خصوصاً وأن من أمَّن الهجرة من عائلة طيبا وأبو صالح معروفون وهم معتقلون أعتقد اليوم في أندونيسيا. وقد أخبرتني إبنة شقيقتي التي نجت بأن المياه ملأت العبَّارة والخشب قبل أن تغرق بهم، ونطلب من الدولة اللبنانية أن تردع وتعتقل أمثالهم من التجار بأرواح الناس.
جمال الراعي شقيق طلال قال: “شقيقي طلال سافر مع زوجته وثلاثة أولاد وقد رافقتهم شقيقتي العزباء أيضاً وقد توفوا جميعاً باستثناء الصبي الأكبر وليد الذي لم يتجاوز عمره الخمس سنوات مع والدته وقد تمكنا من الإتصال بمراسل المؤسسة اللبنانية للإرسال في أندونيسيا وهو يعرف شقيقي وأخبرنا بالوفاة. ثم تمكنا من الإتصال بزوجة أخي وأخبرتنا بأنها تمكنت من النجاة مع الصبي وليد ولا تعرف مصير زوجها وشقيقته والأولاد الآخرين”.
وتابع: “أخبرتنا زوجة أخي بأن سائق العبَّارة ضل الطريق التي يعبرها ولدى العودة فرغت المحروقات من المركب وضربت موجة المركب ولم تعد ترى شيئاً سوى أنها موجودة على الشاطىء مع إبنها وليد”. وعن سبب هجرة شقيقه يقول: “الأوضاع التي تشهدها التبانة هي السبب الرئيسي لهجرة شقيقي وقد إستدان شقيقي ثلاثين ألف دولار ليتمكن من السفر والهروب من الوضع الذي نعيشه. لذا نحن نحمل الدولة المسؤولية عما حصل لشقيقي وشقيقتي وأولادهم، فلو أن الأمن والإستقرار محافظ عليهما لما إضطر شقيقي للهجرة، خصوصاً بعد أن ضاقت به سبل العيش في لبنان”.
نحن نصحناه بعدم السفر لكنه أصر على المغامرة لأنه كان يعتقد بأن الحياة ستكون بالنسبة له ولعائلته أفضل مما هي عليه هنا. ولم يكن يتوقع حجم المغامرة التي تننتظره.
وختم: هذا كله نتيجة إهمال الدولة.
خضر الحراز شقيق عمر الذي لم يتجاوز بعد الخمس وثلاثين من العمر قال: “هاجر شقيقي مع زوجته وأولاده الثلاثة بسبب الأوضاع التي نعيشها في التبانة وأعتقد أنه السبب الرئيسي لإصراره على الهجرة هو الفوضى وتفشي السلاح والأحداث المتكررة بين الجبل والتبانة وعدم إصرار الدولة على حل مشكلة التبانة والجبل. لذا نحمل الدولة المسؤولية”.
وأضاف: “شقيقي لم يخبرنا بسفره لأنه كان يدرك بأننا سنعارض ذلك ونحن جميعاً نعمل في التجارة وأعتقد أن من أقنعهم بالسفر قد أغراهم وسلب أموالهم. لقد كان لدى أخي شقة ومحل تجاري وقد باعهما لأن كلفة السفر كبيرة جداً وأعتقد بأنها بلغت الخمسين ألف دولار. كلنا يدرك بأن هذا المبلغ يكفي لإعالة أي عائلة من عائلاتهم ولكن أعتقد أن السبب الحقيقي لإصراره على السفر هو الوضع الصعب الذي نعيشه في التبانة”.
وحول ما جرى على متن العبَّارة قال: “عرفنا بأنهم كادوا يصلون الى المياه الأوسترالية ولكن كمية الديزل لم تعد كافية للعبَّارة، وأعتقد بأن أبو صالح العراقي “البيغ بوس” هو من أوعز بإغراق العبَّارة كي لا يعيد الأموال الكبيرة التي دفعها المهاجرون. الحمد لله شقيقي نجا لكنه فقد عائلته وهو اليوم في أندونيسيا ونأمل أن يعود قريباً الى لبنان”.