#adsense

الغلوّ في الأمن الذاتي يكشف محدودية سيطرة “حزب الله”

حجم الخط

كشفت اشتباكات بعلبك، بسرعة مذهلة، مآل “الأمن الذاتي” بالطريقة التي يعمل على توطيدها “حزب الله” ردّاً على التفجير الدامي في الضاحية الجنوبية، واستتباعاً لتدخّل هذا الحزب في الحرب الأهلية السورية الى جانب قوّات النظام وشبيحته، هذا التدخّل الذي لا يكتفي فقط بالتورط في قمع سكان ثائرين من موقع نظام متعطش للدم، ولا بنصرة أقلية على أكثرية من موقع مذهبي فحسب، وانما تسعير حدّة الصراع المذهبيّ نفسه، والحاقه بسردية الفتنة المذهبية السنية ـ الشيعية المتواصلة بتقطع عبر التاريخ.

فمشكلة الأمن الذاتي ـ نسخة الحزب، أنه موجود أساساً في المناطق التي تسيطر عليها هذه الميليشيا الخمينية منذ أواخر الثمانينيات وبأسلوب سيطرة راكم تجربة مديدة وحافلة صارت تمتد لبضعة عقود، وترتكز على تعايش أنماط أخرى من التسلّح والمليشة في هذه المناطق، سواء فيما عنى حركة “أمل”، أو فيما عنى العشائر، ان كان في مناطقها التاريخية، أو في الضاحية الجنوبية، ويضاف الى ذلك أنّ “ليل الضاحية” من الناحية الأمنية لا يحتكره أمن الحزب وحده، وانما مروحة واسعة من “الشلل التحتية”، المتعددة المواهب، والتي تشكّل وقوداًً هجومياً اذا ما استعين بها، أو منفذاً تفلتياً في مناطق تبدو في الوقت نفسه خاضعة لحكم تسلّطي نسبة الى المجموع اللبناني، ومرتعاً للفوضوية الأهلية المتعددة الأشكال، مع ما يتخلّلها من بعض مؤثرات “تحرّرية”، لأنّ بعض التفلّت من معالم “دولة القانون” يمكن احتسابه “تحرّراً”.

ورقعة هذا الأمن الذاتي كان يمكن بهذا الشكل أن تشمل بعباءتها عشائر سنية في البقاع أو تتمدّد لتشمل الجيوب الشيعية في المناطق المسيحية، كالرويسات وقرى شيعة جبيل، أي أنه بمعنى ما، كانت سيطرة “حزب الله” الأمنية على الضاحية والبقاع والجنوب والجيوب ثم على معظم بيروت “الغربية” بعد السابع من ايار، ترتبط بهذا الفضاء التوليفيّ المركّب، الذي يمرّ من خلاله تكريس المرجعية الأمنية الأساسية لـ “حزب الله” مع رواج السلاح خارج دائرته المباشرة، سواء بشكل يخضع لسيطرته بطريقة غير مباشرة، أو ينبغي بذل جهد من قبله لاستيعابه وتأطيره.

لكن ما يحدث مع انتقال هذا الأمن “الذاتي” الى مرحلته الجديدة، في أعقاب التدخّل في سوريا والتفجير في الضاحية، هو أنّ معادلته السابقة، التي توطّدت على امتداد ثلاثة عقود، صارت أمام مشكلة حقيقية، مشكلة تتجاوز التذمّر على حاجز تفتيش، لا بل رقعة الاصطدام الخطير مناطقياً ومذهبياً الحاصل في بعلبك، الى ما من شأنه الدفع باتجاه اعادة اكتشاف “حزب الله” لمحدودية سيطرته على المناطق التي يسيطر عليها أساساً، فضلاً عن محدودية تمكّنه من رفع معدّل هذه السيطرة، وجعل “الأحوال الاستثنائية” الزائدة على “الأحوال الاستثنائية” الأساسية، مبرّراً مقبولاً لتوطيد هذه السيطرة وانتقالها الى ما يحاكي السيادة الوطنية نفسها.

من هنا، “الغلو في الأمن الذاتي” يدفع التناقضات الثانوية الى الواجهة، ذلك ان “دويلة” الحزب ما قبل هذا الغلو كانت غير محدّدة المعالم، والمداخل والمخارج، ومتعايشة مع أشكال متنوعة من التسلّح والمليشة داخلها أو على تخومها، ومتمدّدة هنا وهناك، في حسن ان الغلو في الأمن الذاتي، يستدعي ترسيم حدود الدويلة، وتحوّلها الى ما يشبه “حكم القانون” بازاء الكلّ الفوضوي التي تسيطر عليه، ما يقودها الى مفارقة الاستعانة بالأمن “الشرعي” اللبناني، والخوض في تجربة “أمن ذاتي ـ مختلط” كما في الانتشار الأمني الشرعي الأخير في الضاحية، ثم تسلّم الحواجز نتيجة للاشتباك في بعلبك.

واذا كان هذا “الأمن المختلط” يقود في الضاحية الى تحريك الهواجس الوجيهة حول اخضاع جهاز الدولة اللبنانية نفسه لاقتطاعات “حزب الله” منه، فانّه كذلك الأمر يصعّد من مشكلة “حزب الله” نفسه، حتى لو كان يظهر، على السطح، أنه يداويها: ذلك أنّ الزمن الذي كان يظهر فيه “حزب الله” كممسك، بشكل متوازن ومحترف، بمعادلة السيطرة على مناطقه، بالتعايش مع ثقافة السلاح خارج اطاره المركزي هو، وبما كان يشكّل مناعة معيّنة لهذا الاطار المركزي نفسه، ودوائر وسيطة بينه وبين الأهالي، وبينه وبين المناطق الأخرى، والطوائف الأخرى، كل هذا لم يعد قائماً اليوم، والشكل الجديد لن يولد الا نتيجة للتفاعل مع الآفاق الأمنية المتعددة للحالة الراهنة، سواء كنتيجة لاستمرار تورط الحزب في سوريا، او كنتيجة لصعود التناقضات الثانوية الى الواجهة، او كنتيجة لهذا الخلط بين ما هو شرعي وما هو شرعي.. وعلى رأي الرئيس المغيّب محمد مرسي “دونت ميكس”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل