فضحت استفزازات حواجز “حزب الله” في بعلبك مسرحية دخول الأمن الشرعي إلى الضاحية، ووقع الحزب فريسة استخفافه بعقول اللبنانيين. فالدولة بأمنها الشرعي دخلت الضاحية بعدما ضاق اللبنانيون ذرعاً بممارسات عناصر الحزب على الحواجز التي تخدش الكرامة وتستهزئ بالناس، لكن مَن يصدّق أن الحزب يريد فعلاً سيطرة الجيش وقوى الأمن في الضاحية؟ وهل تخلّى الحزب عن أمنه الذاتي في الضاحية حيث المربع الأمني ليفرض أمنه في بعلبك؟
بعد اعتداءات عناصر الحزب المسلّحين في بعلبك على المواطنين، سقط القناع واتّضح بأن الحزب لن يتخلّى عن أمنه الذاتي لأنه لا يثق بالدولة وبقدراتها، ولن “يتبرّع” للدولة بما حققه من إنجازات السيطرة واحتكار المؤسسات، فلو أراد فعل ذلك لشارك فعلياً في تشكيل حكومة من دون أن يطالب بالثلث المعطّل ويشلّ البلد بعد عامين من الحكم الذاتي الذي انعكس فساداً على أرض الواقع.
أحداث بعلبك جاءت بالتوازي مع دعوة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان “حزب الله” للعودة من سوريا، وفي إشارة من الحزب الى كل اللبنانيين للقول بأن الحزب دائماً حاضر للردّ على كل من يعرقل مسار دويلته وسيطرته على كل المناطق، وها هو 7 أيار يتكرّر بعدما كان هدّد به رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون من الرابيه وبعده “حزب الله” ومن المكان ذاته.
وفي هذا الإطار، يشرح رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد أن “لا أحد يريد أمناً ذاتياً في مناطقه”، ومن المفترض أن “حزب الله” هو ممن تشملهم عبارة “لا أحد”، وهذه الفكرة الأساسية التي يريد رعد إيصالها. وبالتالي لو أن “حزب الله” فعلاً لا يريد أمناً ذاتياً لانتفت الحاجة الى سلاحه ولسلّمه فوراً الى الدولة، لأن كلام رعد يشمل كل المناطق في لبنان. ويكمل رعد “وحين يستشعر الناس بجهوزية الدولة ينكفئون ويرحبون بأجهزتها”، و”الناس” هنا تعني الحزب الذي لم يستشعر حتى الآن بجهوزية الدولة لفرض الأمن، وبهذا يكون رعد قد اعترف بأن دخول القوى الأمنية الشرعية إلى الضاحية خطوة شكلية لأن الحزب لا يستشعر يجهوزية الدولة لفرض أمنها على مناطقه وبالتالي فالحزب لن ينكفئ عن الدفاع عن نفسه بواسطة أمنه الذاتي ولن يرحّب بأجهزتها!
خلاصة كلام رعد بأن الدولة ليست في الضاحية ولا في بعلبك ولا في بيروت الذي ذاقت مرّ القمصان السود ولا في أي منطقة للحزب موطئ قدم فيها… وبالتالي فإن الحزب غير راضٍ عن أداء الدولة لأن المرحلة التي بلغها بعد دخوله الحرب إلى جانب بشار الأسد جعلت كل الساحات في الضاحية خصبة لأي تفجيرات ولأن الحزب لا يثق إلا في نفسه، فعناصره تضغط على الزناد من دون أن تترك “للصلح مطرحاً”.. الحلّ لكل مشكلات الحزب هي القتل والانقلابات، الدولة ليست كذلك، لأنها تحمي مواطنيها من القتل وتعاقبهم استناداً إلى قوانين وليس إلى قرارات وليدة ساعتها، ولأن الحزب مؤمن بالمثل اللبناني القائل “ما بحكّ جلدك إلا ظفرك”!
ويعرّج رعد في كلامه على المواضيع السياسية المحلية وأبرزها طبعاً تشكيل الحكومة وطاولة الحوار، مستقوياً بالاتفاق الأميركي-الروسي، فهل من يشكّ بأن ما يصبّ في مصلحة هذين القطبين لا يلتقي أبداً مع مصالح النظام السوري أو إيران، فالعلاقات الدولية لا تبنى إلا على الديبلوماسية وبالتالي المسايرة للتوصل إلى غايتها الأساسية. لكن يبدو أن الأمر عزّز ثقة “حزب الله” بقدراته، فارتكب المحظور في بعلبك، ولن تنفع بعدها أن يلطّف الحزب الأجواء بتسويق سياسة مدّ اليدّ، لأن يده مشغولة دوماً بالضغط على زناد الفتنة!
وعلى خلفية الحادثة التي حلّت باللبنانيين في المياه الإندونيسية، يتساءل رعد: “لماذا يهجر اللبنانيون وطنهم الى بلدان بعيدة ويتوسلون لذلك طرقاً غير شرعية”، معتبراً أن “لا دولة راعية لهم في وطنهم”. كيف يجيب أهل بعلبك على هذا السؤال يا ترى؟ هل يفضّلون البقاء في لبنان أم الهجرة بأي ثمن إلى أي وطن لا تواجد للحزب فيه باستثناء بلغاريا مثلاً وغيرها؟ وهل يفضّل المواطنون الذي أوقفهم الحزب على حواجزه في الضاحية الذلّ على يد عناصره في لبنان أم الهجرة إلى بلد يقدّر الإنسان ويحترم القانون؟
في القرن الواحد والعشرين، لا يزال لبنان، بفضل “حزب الله”، وطناً لا هيبة للدولة فيه..