رحلة التحييد الشاقة بين اعلاني بعبدا ونيويورك
سليمان لـ”النهار”: حذار تفويت الفرصة بالسخافات
لعل قلة لا تزال تذكر ان “اعلان بعبدا” الذي اكتسى رداءه الدولي الموصوف في اجتماع مجموعة الدعم الدولية في الامم المتحدة في الـ٢٥ من ايلول الحالي يدين بولادته اللبنانية لمسمى “لطف الله – ٢” الذي حملته باخرة محملة اسلحة الى المعارضة السورية وضعت الاجهزة اللبنانية يدها عليها في مرفأ طرابلس. حينذاك بدأت الرحلة الشاقة لتحييد لبنان عن التورطات الداخلية في الصراع السوري ولم يكن “نداء الواجب” الذي استدعى “حزب الله” الى انقاذ النظام السوري في القصير قد دق بعد مما امكن معه الحصول على موافقته والموافقات الاخرى الاجماعية على الاعلان في حزيران ٢٠١٣ ليعود الحزب الى الانخراط باوسع وجوه التورط في الصراع لمنع سقوط جبهة القصير.
تذكير لا بد منه للاشارة الى ان ثمة عاملين متلازمين اديا موضوعيا الى فتح الباب امام تدويل المسعى اللبناني لتحييد لبنان عن انعكاسات هذا الصراع وكذلك تدويل الجهود لمواجهة اخطر وجوه هذه الانعكاسات الذي يتمثل بازمة اللاجئين السوريين الى لبنان.
العامل الاول هو “النحت” الهادئ في الصخر الذي تولاه كبير مستشاري رئيس الجمهورية ميشال سليمان السفير ناجي ابي عاصي والمنسق الخاص للامم المتحدة في لبنان ديريك بلامبلي منذ اكثر من سنة للتحضير لاستيلاد مجموعة الدعم الدولي وحشد التأييد لها. هذا العمل الطويل افضى في النهاية الى تبني مجموعة الدعم في اجتماعها التأسيسي الاول البيان الذي وضعه الجانبان من دون اي تعديل.
اما العامل الثاني غير المرئي فيعود على الارجح الى بداية تبدل المناخ الدولي حول الازمة السورية مع هبوب نسائم ملطفة على جبهتي الانفتاح الاميركي – الروسي من جهة والاميركي – الايراني من جهة اخرى. كانت مصادفة جيدة للبنان هذه المرة ان تتلاقى مفارقات عدة في مقر المنظمة الدولية. مفارقة اطلاق مجموعة الدعم مع حدث الانفتاح الاميركي – الايراني. ومفارقة المشاركة الاخيرة للرئيس سليمان في اعمال الدورة العادية للامم المتحدة على مشارف نهاية ولايته مع تحقيق الانجاز الذي سعى اليه والذي حصد معه ايضا اشادات جماعية وفردية من وزراء الدول الخمس الكبرى. حتى ان سليمان كان فوجئ قبل الاجتماع الموسع باللغة الموحدة للوزراء الخمسة الذين تحدثوا عن تحييد لبنان بلهفة يتمناها سليمان في قرارته على السنة القوى والافرقاء اللبنانيين انفسهم.
يطل الرئيس سليمان على حصيلة الايام اللبنانية الخمسة التي امضاها في نيويورك بارتياح ظاهر مقرون بافتخار بما انجزه فريقه الاستشاري. واذا كان يحاذر علنا اي كلام عن شهادات التقدير التي حظي بها شخصيا والتي ادرجت رسميا في البند الرابع من بيان الاجتماع الافتتاحي لمجموعة الدعم عن “تقدير المجتمعين لقيادة الرئيس سليمان” فهو لا ينكر على هامش مفاتحة صريحة مع “النهار” ان هذا التقدير الدولي لدوره يشكل عرفانا واعترافا يفخر به وما كان للدول ان تعلنه وتكرره وتثبته لولا سلوكياته كرئيس حظي انتخابه عام ٢٠٠٨ بتوافق دولي وداخلي ويحظى على مشارف نهاية الولاية باقرار بصوابية هذه السلوكيات. واذا كان الرئيس سليمان قرن ذلك بإعادة التاكيد مرارا لموقفه المعروف من رفض التمديد لولايته فهو آثر في حديثه الى “النهار” ان يسلط الضوء على المرحلة التي تلي اجتماعات نيويورك.
يقول الرئيس سليمان في هذا الاطار: “نحن عازمون الآن على متابعة تنفيذ البنود التي تقررت في اجتماع مجموعة الدعم الدولي عبر عقد اجتماعات مماثلة قدر الامكان. يمكن هذه الاجتماعات ان تتناول كل موضوع من البنود التي نص عليها بيان المجموعة مثلا موضوع دعم الجيش يمكن ان نوسع البحث فيه مع ايطاليا كما يمكن ان نوسع المشاركة في المجموعة عبر دول خليجية واوروبية”. ويضيف: “لدينا اربعة عناوين رئيسية ومؤتمر جنيف في نهاية ايلول المخصص لازمة النازحين واللاجئين سيؤلف ثلاثة لجان مختصة بمعالجة هذه الازمة. لجنة للدعم المادي ولجنة لتوزيع اللاجئين على عدد من الدول ولجنة لعودة اقسام من اللاجئين والنازحين الى الاراضي السورية. هذه اللجنة الاخيرة انا كنت قد طلبتها من منطلق انه يمكن اعادة بعض النازحين الحاليين الى مناطق آمنة في سوريا او ايجاد مخيمات لهم داخل سوريا مرعية من المنظمات الدولية. وهذه الخطوة او العودة تتم بتنسيق مع المجتمع المحلي والادارة المحلية. والدور الاهم للجنة العودة لاحقا هو في تأمين العودة الواسعة للاجئين التي تتطلب مواكبة دولية لتسهيل عودة اللاجئين حياتيا ومعيشيا واقتصاديا”.
ويستدرك الرئيس سليمان ان متابعة تنفيذ ما اتفق عليه في اجتماع نيويورك “ستحصل ايضا عبر العلاقات الثنائية مع الدول المشاركة في مجموعة الدعم لان هناك اشياء يمكن تأمينها عبر هذه الدول خصوصا ان عددا منها يساعد اصلا الجيش والقوى الامنية كالولايات المتحدة والمانيا وفرنسا وقطر والسعودية والكويت وبريطانيا كما ان هذه الدول قدمت مساعدات للنازحين كما قدمت مساعدات وقروضا ميسرة للنمو. والبنك الدولي يغطي كل المجالات سواء في المساعدات للنازحين او المساعدات للنمو والاقتصاد”. ويقول: “سنعمل مع دول الخليج ودول الاتحاد الاوروبي. والمهم في مجمل هذه المتابعة اللبنانية ان تمضي بروح تعاون وانفتاح وعدم اضاعة الفرصة ككل مرة عبر الخلافات السخيفة او الناتجة عن التجاذبات السياسية او عن الآليات المقررة للمساعدات. واهم ما في الامر التمسك بالشفافية في التعاطي مع كل هذه الامور وان يتمتع الذين سيديرون هذه المساعدات بالشفافية في الادارة والمراقبة للحؤول دون التصرف بطريقة غير سليمة”.