#adsense

مدينة الشمس لن تكون .. الفيحاء

حجم الخط

 

لا يمكن المرور على ما جرى في بعلبك في نهاية الأسبوع الماضي مرور الكرام، فالحادث يحمل في طياته ما ينذر بتطورات خطيرة فيما لو استمر “حزب الله” على استهتاره بالدولة واستقوائه بسلاحه ومضيه في تنفيذ خطته التي هي في طابعها “أمن ذاتي”، لكنها في باطنها تشي بما هو استكمال السيطرة الميدانية والتنفيذية على مقومات الدولة وحلوله مكانها عبر إنشاء جبهات جديدة على غرار جبهة “التبانة” – “جبل محسن”.

لكن بعلبك ليست طرابلس .. فعاصمة الشمال شهدت فصولاً كثيراً من الحوادث الأمنية والاشتباكات “الحربية” على الجبهات التقليدية منذ سنوات الحرب الأهلية غير المأسوف عليها، في حين أن مدينة الشمس نادراً ما كانت تشهد مثل هذه الحوادث أو الاشتباكات حزبية كانت أو مذهبية، ولم يعكّر صفو تعايش أهلها سنة وشيعة ومسيحيين، لا الحرب الأهلية ولا “حروب الآخرين” على أرضها.

والذي يجمع ما بين أهل بعلبك خصوصاً، والبقاع عموماً، انتماءاتهم العشائرية وتقاسمهم العادات والتقاليد نفسها، لا بل من الصعب التمييز بين أهل المدينة وهم المتصاهرون في ما بينهم منذ عقود طويلة، ويتشاركون الأحزان والأفراح، لا بل اللافت هو أن أهالي بعلبك بكل أطيافهم كانوا يوالون “حزب الله” حين كان “مقاوماً”، وشكّلوا له البيئة الحاضنة المثالية بين باقي مناطق لبنان، ومن هنا يمكن فهم سبب إطلاق الحزب وصف “خزان المقاومة” على منطقة البقاع وبعلبك.

غير أنه منذ أن حوّل “حزب الله” المقاومة إلى فريق مذهبي واحتكرها باسم “المقاومة الإسلامية” تنفيذاً لأجندة النظام الإيراني، وذلك وفقاً لما كشفته مجلة “نيويوركر” في تقريرها عن قائد “فيلق القدس” الجنرال قاسم سليماني، فإن “حزب الله” انخرط في الصراع السني ـ الشيعي على الأراضي اللبنانية كافة، حتى أنه نقلها إلى سوريا من خلال انخراطه في قتال الشعب السوري إلى جانب نظام بشار الأسد، وعرّض نفسه، ومعه لبنان بأكمله، إلى ردود فعل انتقامية “مذهبية” طاولت عرسال البقاعية، ثم الضاحية الجنوبية ومن ثم طرابلس، والخشية أن تكون حادثة بعلبك بداية في سلسلة “المغامرات” الأمنية المتنقلة التي تسبّب بها.
لطالما ردّد قياديو “حزب الله” مقولة رفض الفتنة، وعدم الانجرار إليها، لكنهم، وعلى قول المثل المصري الشائع “أسمع كلامك أصدّقك، أشوف عمايلك أتعجّب”، لم يفعلوا سوى العكس، بدءاً من تورّطه في معركة القصير، وصولاً إلى معارك ريف دمشق، وذلك بحجة حماية “أهلنا الشيعة” في سوريا، ومرقد السيدة زينب، قبل أن تنكشف الحقيقة على لسان الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله بنفسه الذي قال بصريح العبارة “لقد شعرنا أن النظام على وشك السقوط على يد الثوار، فقررنا التدخل”.

لكن خطابات السيد والقياديين الآخرين في الحزب، حملت في الفترة الأخيرة مصطلحاً جديداً هو “التكفيريون”، والقتال في سوريا كان استباقياً لعدم تسلّل هؤلاء إلى لبنان على ما درج السيد على التذّرع به، ومن هنا وجب التوقف قليلاً عند الشائعات التي روّجتها وسائل إعلام محسوبة على فريق “8 آذار” يوم الحادثة، حول رفع أعلام لجبهة “النصرة” في بعض أحياء بعلبك، فما الغاية من ترويج مثل هذه الشائعات لفترة محدودة ثم سحبها فجأة من التداول وكأنها لم تكن؟ هل أصبح أهالي بعلبك من “التكفيريين” الذين يجب محاربتهم؟

إن لجوء “حزب الله” لتطبيق ظاهرة “الأمن الذاتي” بحجة منع تسلّل السيارات المفخخة إلى عمق مناطق نفوذه وسيطرته، أثبت فشله، فكان الوضع في الضاحية على حافة الانفجار لولا مسارعة الحزب بطلب “النجدة” من الأجهزة الأمنية الرسمية ودعوتها لتسلّم الحواجز التي أقامها لـ “حراسة” مداخل الضاحية. وعلى الرغم من علامات الاستفهام الكثيرة التي أثارها فريق “14 آذار” حول تشكيل القوة الأمنية بحيث اطلع الحزب مسبقاً على أسماء ضباط وعناصر القوة الأمنية، إلا أن مجرّد تخلّي الحزب عن “مهمته” الذاتية لصالح قوى الأمن الشرعية، يعني أن قيادة الحزب وعت خطورة ما اقدمت عليه لجهة الأمن الذاتي .. لكن ألا ينطبق هذا الوعي إلا على الضاحية، ولا يشمل البقاع عموماً، وبعلبك تحديداً، والجنوب من صور إلى النبطية وغيرها؟

لعل أخطر مظاهر التذمّر من هذه الظاهرة في الضاحية كانت الاشتباكات المسلحة التي وقعت بين مسلحي الحزب ومسلحين من “عشيرة” آل شمص البقاعية، الذين لا يزالون يتمسّكون بعاداتهم وتقاليدهم التي نقلوها معهم من البقاع إلى الضاحية. فإذا كان لفيف من عشائر البقاع قد حلّ ضيفاً “ثقيلاً” على الحزب في الضاحية، فكيف يعقل أن ينقل الحزب ممارساته الممجوجة والاستفزازية إلى قلب منطقة العشائر في البقاع وبعلبك؟

ألا يعي الحزب، أن تحفيزه للفتنة بين السنة والشيعة في بعلبك أخطر ما يمكن أن يمارسه، والفتنة إن وقعت لا يمكن احتواؤها بسهولة بسبب الطبيعة المشتركة لأهل المنطقة، والقائمة على هذه العشائرية نفسها التي لا تقيم وزناً لا للاعتبارات الحزبية أو السياسية، ولا تنام على “الضيم” وتسعى للثأر ولو بعد “أربعين عاماً”؟

إن مسارعة عقلاء المدينة إلى احتواء الحادث الذي أدى لوقوع اربعة قتلى وعشرة جرحى والذي استمر لساعات طويلة بدت دهراً لمن عاشها، أفلحت في وقف الفتنة عند هذا الحد .. لكن المعاندة والاستكبار لن يحولا دون تكرار مثل هذا الحادث “الفردي”، والعاقبة ستكون وخيمة، والدم يجر دماً، وعلى الحزب أن يبادر إلى أخذ العبرة، فهل من يسمع؟.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل