كتبت صحيفة “الجمهورية”:
ينعكس كلّ تقارب إقليمي – إقليمي أو إقليمي – دولي على الوضع اللبناني المنقسم، لأنّ القوى السياسية الفاعلة لبنانياً لها ارتباطات إقليمية ودولية، وتتبع إمّا محور الممانعة الذي يضم إيران وسوريا، وإمّا محور الاعتدال العربي الذي تتزعّمه المملكة العربية السعودية. من هنا كان لكلٍّ من فريقي «8 و14 آذار» نظرته الى التقارب الأميركي – الروسي، والإيراني- الأميركي، في اعتبار أن الملفات الداخلية باتت تفصيلاً في ظلّ متغيرات المنطقة.
في خضمّ حرب الدوَل العظمى على أرض سوريا، وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، برز الإتصال بين الرئيسين الأميركي باراك أوباما والإيراني حسن روحاني ليطرح تساؤلات مرتبطة ببداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، يقلّل عضو كتلة “المستقبل” النائب جمال الجرّاح من أهميّة التقارب الأميركي – الإيراني، ويعتبر أنه “في بداياته الأولية، إذ لا شيء جدّياً واستثنائياً في المنطقة، وهذا الإتصال ليس سوى كسر جليد ولن يصل الى مراحل البحث في التفاصيل”.
ويؤكد الجرّاح لـ”الجمهورية” أنّ “الملف النووي الإيراني والملف السوري يتقدّمان بأشواط الملف اللبناني الذي يشكل تفصيلاً بالنسبة الى الأميركيين”، نافياً أي انعكاسات سلبية على لبنان وقوى “14 آذار”، فهو لن يُضعفها بسبب تأييدها الخيار العربي المعتدل ووقوفها في وجه المحور الإيراني – السوري، خصوصاً بعد تراجع أميركا عن توجيه ضربة عسكرية الى سوريا”. ويشدّد على أنّ “14 آذار” لم “تراهن على ضرب سوريا لتغيير الموازين السياسية في الداخل، بل تريد تدخّل المجتمع الدولي لوقف نظام الأسد عن قتل شعبه”، معتبراً أنّ “ملف نزع الكيماوي تقدّم جيّداً، خصوصاً أن النظام السوري فقد السيطرة على معظم أراضيه”.
بدوره، يرى منسق الأمانة العامة لقوى “14 آذار” النائب السابق فارس سعيد أنّ “لا أحد من الأفرقاء السياسيين المحليين لديه ما يقوله في ما يختصّ بلعبة الأمم الكبرى، وكل ما يمكنه فعله في هذه المرحلة هو متابعة ما يجري، والأمل أن ينعكس ما يجري إيجاباً على استقرار لبنان والمنطقة”، مشيراً إلى أن “التوصيف الحقيقي لما يجري يجب أن يقتصر على قراءة الأحداث بعين الأمل، بعيداً عن أي ادّعاء سياسي مرتبط بموقف “14 آذار” ممّا يحصل، أكانت ممتعضة منه أو مطمئنة له”.
ويؤكد سعيد لـ”الجمهورية” أنّ “هذه المرحلة تشهد إعادة ترتيب للمنطقة، ونفوذ الأطراف الإقليميين فيها”، مشيراً إلى “مقايضات تحصل على رأس المجموعات السياسية اللاعبة محليّاً. وكما حصلت مقايضة على حساب السلاح الكيماوي السوري، فقد تحصل اليوم مقايضة على حساب السلاح النووي الإيراني، وغداً على السلاح الصاروخي الإيراني”.
ويؤكد سعيد أن “لا تأثير لبنانياً على الملف السوري، بل على العكس”، لافتاً الى أن “لبنان من البلدان التي سبقت البلدان العربية في استدراج انتباه دوائر القرار الخارجية، إذ صدر بحقّه منذ العام 2004 أكثر من ستّة قرارات من الشرعية الدولية، في حين تحاول شعوب المنطقة اليوم استلحاق نفسها، مع كل التضحيات التي تقدّمها، للحصول على قرار مجلس أمن واحد”.
وإذ يشدّد على أنّه “لا يمكن لـ”حزب الله” إلا أن يكون مادة أو نقطة من نقاط جدول أعمال الحوار الإيراني – الأميركي، كما كان الملف الكيماوي نقطة من جدول أعمال الحوار الأميركي – السوري، على أن تتبيّن نتائجه وانعكساته على الحزب لاحقاً”، يلفت إلى أن “مسار الأمور الطبيعي هو أنّ أي فريق لبناني داخلي ارتبط نفوذه أو “انتِفاخه” الداخلي من خلال علاقته الإقليمية أو الدولية، يدفع الثمن في الداخل في كل مرة ذهب فيها شريكه الإقليمي إلى مفاوضة مع الكبار، كما حصل مع “القوات اللبنانية” و”الحركة الوطنية” مع “منظمة التحرير”، واليوم يبدو أنه حان دور “حزب الله”.
في المقابل، ترى قوى “8 آذار” أنّ التقارب الأميركي – الروسي يصبّ في مصلحتها لأنه يقوّي نفوذ طهران في المنطقة.
وفي هذا الإطار، يشرح عضو كتلة الحزب “السوري القومي الاجتماعي” النائب مروان فارس لـ”الجمهورية” كيف أن “التقارب الإيراني- الأميركي يأتي في إطار حماية مصالح أميركا في الخليج الذي تؤثر فيه إيران تأثيراً كبيراً”، موضحاً أن “أميركا تحاول وصل العلاقات مع إيران التي تسعى بدورها، من خلال حوارها، الى استعادة الأموال التي حجزتها أميركا منذ الثورة الإسلامية، معتمدةً وسائل التفاوض، لأنّ الشعب الايراني بحاجة ماسّة الى تلك الأموال”.
ويؤكد فارس أن أوباما “أخذ المبادرة واتّصل بروحاني، ولهذا التقارب انعكاسات مهمة على دول الشرق الأوسط، ومن ضمنها لبنان. وهو يبشّر بمرحلة ترسم خريطة جديدة للمنطقة”، مشيراً الى أن التقارب “لصالح 8 آذار وليس لـ 14 آذار”، لأنّ “8 آذار” أقرب الى إيران أكثر من قُرب “14 آذار” الى أميركا. وبالتالي، فإن مجرّد حصول تقارب إيراني – أميركي يُسَجّل نقطة إيجابية لـ “8 آذار”، فكلّما تعزّز دور ايران في المنطقة يتعزّز دور “8 آذار” في لبنان”. وعن قبول ايران و”8 آذار” بالحوار مع أميركا التي يصفونها بالشيطان الأكبر، يقول فارس: “عند الحوار تنتقل أميركا من شيطان أكبر الى ملاك أكبر”، معتبراً أن “النقاش تركّز على حقّ ايران في امتلاك طاقة ذرية لأغراض سلمية، لأنه يُمنع عليهم شرعاً استخدام النووي لأغراض عسكرية”.
من جهته، يؤكد عضو كتلة “التحرير والتنمية” النائب قاسم هاشم لـ”الجمهورية”، “اننا لطالما دعونا الى استثمار المناخات الايجابية، أكان في بعدها العربي أو الإقليمي والدولي، لِما لذلك من ارتدادات ايجابية على الواقع الداخلي اللبناني”. ويرى هاشم “أننا اليوم، وفي ظلّ المناخات الإيجابية والاتصالات الجارية، نجد أنفسنا أمام فرصة ينبغي البناء عليها، وتوسيع قاعدة التفاهم بين الأفرقاء اللبنانيين، ما يسهّل إمكان الوصول إلى تفاهم وطني واسع على كل القضايا الخلافية، خصوصاً في ظل هذه الظروف، وبعد القرار القاضي بعدم إطلاق الصواريخ على سوريا، ما جَنبّنا تداعياتها في لبنان”، داعياً إلى “النظر بإيجابية الى هذه العلاقات، على أمل أن تتطوّر قاعدة هذه الاتصالات والتفاهمات إيجابياً وتتوسّع من أجل الاستقرار العام في المنطقة، ما ينعكس على استقرارنا الداخلي، لنستطيع الإفادة منه واستثماره في واقعنا الوطني”.