الاتصال بين الرئيسين الأميركي والإيراني على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة شيء والتقارب شيء آخر. “الاتصال” هو بطبيعة الحال المدخل الصحيّ لأي تقارب، لكن التقارب بين واشنطن وطهران يبقى مسألة “كبيرة” و”عويصة”، ولا يمكن لأي بادرة حسن نية من باراك أوباما أو من حسن روحاني أن تكون منعطفاً فاصلاً في اتجاهها.
نحن أمام إدارة أميركية أوضح رئيسها أمام العالم أجمع الأسلوب الذي يستخدمه تجاه سوريا وإيران. في سوريا، تجري المقايضة على الترسانة الكيماوية تحت وطأة التهديد باستخدام القوة العسكرية الأميركية ضد النظام. في إيران، تجري المقايضة على المشروع النووي تحت وطأة العقوبات الاقتصادية النافذة والمتوسعة. العقوبات واقع جاثم على إيران. التهديد بشن ضربة ضد النظام السوري يبقى افتراضياً حتى انطلاقة العملية.
لكننا في المقابل أمام رئيس إيراني جديد، يسعى جهده للتميّز عن رعونة سلفه، وللتكامل مع رأس النظام الذي هو رئيس جمهوريته، أي المرشد علي خامنئي. هو من جهة، يقود الإقرار الإيراني بالآثار المدمّرة للعقوبات الاقتصادية الأميركية والغربية الى نقطة متقدمة من الشفافية ومن الدفع باتجاه التفاوض على كيفية الخروج من هذا السرداب. لكنه من جهة ثانية ينطلق من الإجماع القومي الإيراني على البرنامج النووي، فاتحاً المجال، إذا ما عدنا لكلمته في نيويورك، أمام البحث عن إطار من التفاهم الأولي على كيفية وضع هذا البرنامج تحت المجهر الدولي.
حسن روحاني يُقاس نجاحه من فشله لجهة تمكنه من تقنين العقوبات الاقتصادية ضد بلاده أو لا. في الوقت نفسه، فإنه محكوم بالإجماع الإيراني على دعم المشروع النووي، كما أنه محكوم بتوازن قوى داخلي، يذهب بالتأكيد لمصلحة الحرس الثوري، المتوجّس من أي “اتصال” أميركي – إيراني، لكنه الراغب في الوقت نفسه باستثمار حنكة روحاني لأجل رفع ضروريّ للعقوبات الاقتصادية.
لكن هذه الانتظارات المتبادلة من الجهتين الأميركية والإيرانية، ولئن كانت تتضمن، رغبة معينة، في تأمين أرضية نفسية تفضي الى كلام جديّ بين الدولتين، والى إطلاق باب التفاوض حول العقوبات والمشروع النووي ودور إيران في المنطقة ونزاعاتها، إلا أنها تبقى محكومة في الوقت نفسه بالافتقاد الى الأفق الاستراتيجي: ليس هناك ما يقارن لا من قريب ولا من بعيد، مثلاً، بالتحول الاستراتيجي في بداية السبعينات، الذي جعل واشنطن تعترف بالصين الشعبية على حساب الصين الوطنية، وبشكل يحاصر الاتحاد السوفياتي. باراك أوباما تجاه طهران ليس ريتشارد نيكسون تجاه بكين. كل ما هناك أن هناك اتصالاً متأتياً من رغبة تبيان ما هو تأثير العقوبات الاقتصادية حتى الآن لجهة صرفها سياسياً بما يفضي الى تفاهم حول المشروع النووي، يحول دون تحويره عسكرياً. وهناك أيضاً، استعداد للإقرار بدور إقليمي لإيران، ينطلق أساساً من الاعتراف بالخارطة المذهبية للمنطقة. لكن هنا أيضاً، ليس هناك ما يسند هذا الاستعداد واقعياً، طالما أن إيران تنتهج في سوريا هذا المنحى المستميت لأجل الإبقاء على نظام آل الأسد.