كتب عباس صالح في صحيفة “النهار”:
تجمع المعلومات المتوافرة من مصادر أمنية معنية على ان التعيينات التي جرت على مستوى ضباط الصف الأول وبعض قادة الوحدات العملانية التي تشكل مجلس قيادة قوى الامن الداخلي، لم تشهد ذلك التجاذب على المستوى السياسي بالشكل الذي يصوّر فيه، ولم تكن تعيينات كيدية كما قيل، انما جاءت في سياق ما تفرضه الظروف منذ استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، بحيث يتم تكليف الضابط الأعلى رتبة بين ضباط وحدته، تسيير الامور ريثما تنجلي أوضاع أجهزة الدولة بعدما أصيبت بأعراض الشلل في كل مفاصلها.
وينطلق مصدر أمني في الحديث عما جرى من تعيينات في المديرية العامة لقوى الامن الداخلي والتي شملت تعيين العميد الياس سعادة قائدا لوحدة الدرك بالوكالة خلفاً للعميد جوزف الدويهي الذي أحيل على التقاعد، والعميد عبده نجيم بدلا من سعادة قائداً لوحدة القوى السيّارة (التي تضم القوات الخاصة والفهود وغيرهم) للقول ان ما حصل في هذا السياق بعيد كلياً عما أثير وقد يصل الى حد التناقض، ولا سيما في ما يتعلق بالهويتين السياسيتين لكل من سعادة ونجيم، المصنفين في خانة واحدة هي خانة الولاء للدولة وللمؤسسة التي يحرصان على انجاحها بالقدر نفسه، فضلا عن ان كليهما تولى قيادة وحدة من وحدات قوى الامن الداخلي وبالتالي يعتبر المنصب المعنوي الذي حصل عليه كلاهما موازيا لمنصب الآخر، وان بقيت وحدة الدرك هي الاوسع نفوذا باعتبار انها تضم المخافر التي هي على تماس يومي مع المواطنين في كل المناطق.
أما في ما يتعلق بالاعتبارات الأخرى، فالمنصبان متوازيان من حيث أهمية الصوت في مجلس قيادة قوى الامن الداخلي ومن حيث الامتيازات الاخرى، وعليه فان التشكيلات المحدودة التي أسندت المنصبين بالوكالة الى الضابطين جاءت متناسقة وفي سياقها الطبيعي، بحيث عهدت في قيادة الدرك الى الضابط الماروني الاقدم انتسابا الى المؤسسة بينهما وذلك لمراعاة عامل التراتبية الحكمية في قوانين المؤسسة، فالاتيان بالعميد سعادة لا يغيّر في موازين قيادة السرايا والفصائل شيئاً، لكونه الأقدم من كل قادة المناطق والسرايا، ومعه يمكن ابقاء القديم على قدمه، وبخاصة في طرابلس، ولكن ليس من الباب السياسي او من باب تمسك أي تيار بأي ضابط، انما من ناحية ضرورة الابقاء على قائد منطقة الشمال في منصبه لأنه أمسك بكل حساسية التركيبة الامنية في منطقته وهو أقدم من العميد نجيم في هذا الخدمة الفعلية، وهذا ما ينسحب أيضاً على قائد سرية درك طرابلس العميد بسام الايوبي الاقدم من نجيم ايضا، وهذان الموقعان حساسان في ظل التركيبة الامنية المعقدة الى حد بعيد في منطقة الشمال والتي تتداخل فيها كل عوامل المنطقة وتشعباتها وتداعياتها بما لم يعد خافياً على أحد، وبالتالي فان جدارة المسؤول الامني في هذه المنطقة عادة تكون ناتجة من تراكم خبرة ودراية في هذا المجال وفي كل تفاصيل المنطقة التي يوجد فيها. ولكون الرجلين خبيرين بكل مفاصل اللعبة، بات الابقاء على كل منهما هدفاً ثميناً في ذاته قد يكون أهم من تعيين قائد وحدة، وذلك من منطلقات امنية بحتة لاعلاقة لها بالسياسة ولا مجال فيها للتسييس، بدليل انه اذا كانت الحسابات في ان العميد الايوبي محسوب على “تيار المستقبل” الذي تمسك به في منصبه، فان قائد منطقة الشمال العميد محمود العنان شيعي وهو محسوب سياسياً على الثنائي الشيعي “أمل” و “حزب الله”، والاتيان بنجيم يخرجه حكماً من منصبه كقائد درك الشمال ايضا بحكم الاقدمية. هذان الاعتباران ليسا كل القضية وجوهرها في نظر المسؤولين الامنيين، وان كانا اعتبارين قويين يستحقان ان يكونا سبباً وجيهاً في أي تشكيلات أمنية في ظل أوضاع دقيقة تشبه ما يمرّ به لبنان وبعض مناطقه على وجه الخصوص، بل الاعتبار الابرز لتعيين سعادة في قيادة الدرك هو انه الاقدم بين الضباط الموارنة وصاحب الحق الطبيعي والقانوني والعرفي في هذا الصدد، وهي السياسة المعمول بها منذ مدة بعيدة، ولذلك أتت التعيينات في المناصب الاخرى في قوى الامن في سياقها الطبيعي لكون المدير العام لقوى الامن الداخلي بالوكالة العميد ابرهيم بصبوص الذي هو ايضا تولى منصبه بحكم أقدميته بين الضباط السنة، أسنَد بعد تشاوره مع وزير الداخلية والبلديات مروان شربل في بقية التعيينات كل منصب من المراكز الشاغرة الى الضابط الاعلى رتبة بين رفاقه من أبناء طائفته ومذهبه، وكانا حريصين في هذا الاطار على ان يعيدا المراكز الامنية الى توزيعها الطائفي كما كانت في السابق، قبل ان يحاول المدير العام السابق لقوى الامن اللواء اشرف ريفي الخلط في تسليم المناصب بعيداً من اقامة اي اعتبار للعامل الطائفي، تطبيقا لمبدأ المداورة بين المراكز وحتى لا تبقى بعض المناصب حكرا على ضباط من طوائف ومذاهب محددة، بشكل كان يرمي منه الى التمهيد لالغاء التوزيع الطائفي في المؤسسة.
من هنا جاءت التعيينات الاخرى منسجمة مع واقع الحال وفي السياق الطبيعي وتراتبيتها بعيداً من المكايدة والتحديات على أي مستوى كانت. والقول في هذا الصدد ان رئيس الجمهورية ميشال سليمان لم يكن راضياً عما حدث من تعيينات في قيادة الدرك تحديداً هو ضرب من ضروب الخيال الواسع. فالعميد سعادة ابن بلدة حصروت في قضاء جبيل، وليس كما أشيع انه من زغرتا، وبهذا المعنى من المفترض ان يكون محسوبا سياسيا على الرئيس سليمان وليس على غيره. وفي هذا السياق، يأتي تعيين العميد فواز متري رئيساً لأركان قوى الأمن الداخلي والعميد بيار نصار مفتشاً عاماً والعميد غابي خوري قائداً لوحدة الخدمات الاجتماعية.