#adsense

الناجون من غرق الوطن.. لا العبّارة

حجم الخط

كم كان يحلو لأطفال العبّارة الأوندونيسية، أن يشاهدوها وهي ترسو بسلام على الشواطئ الأوسترالية الآمنة، لكن القدر خطفهم قبل أن يبلغوا هذا الحلم الذي عبروا على طريقه آلاف الأميال، فإذا برحلة الموت تقضي على أحلام الطفولة وتغرقها مع الأجساد الطرية في لجج المحيطات، لتدمي بمأساتهم قلوب الملايين، وتولّد حزناً يسكن وجدان كل من عرف للإنسانية معنى، أو أقام للطفولة البريئة وزناً.

صحيح أن قضاء الله الذي لا رادّ له ولا معقب لحكمه، هو الذي كتب هذه النهاية التراجيدية لرحلة كانت محفوفة بالخطر، وباحتمالات الموت، منذ أن انطلق ضحايا الكارثة من قراهم المعدمة في عكار، أو من أحيائهم المشلّعة الفقيرة في باب التبانة، لكن الصحيح أيضاً أن هناك من دفع هؤلاء بالمجازفة الى ما يشبه لعبة الموت الحقيقية، لتكون المنيّة هي السبّاقة لنقلهم الى دار الخلد، بدل بلاد الرخاء والازدهار التي طالما سمعوا بنعيمها وحياتها الكريمة من قصص أقاربهم الذين سبقوهم اليها هرباً من بلاد الأرز التي باتت الحياة فيها أقرب الى المستحيل.
صحيح أن هذه المأساة ليست الأولى التي تحكي سيرة لبنانيين كفروا بوطنهم، واختاروا أن يتيهوا في أرض الله الواسعة مسلّمين أمرهم أو مستسلمين للمافيات والمهربين المقامرين بحياتهم وحياة براعمهم، لكنها سلّطت الضوء على كثير من المغامرات التي لجأ اليها الآلاف، بحثاً عن حياة أفضل، وأمل بغدٍ يجنّب أطفالهم مرارة ما ذاقه الآباء والأجداد في وطن لم يجدوا تحت سمائه ما يقيهم العوز ويرفع عنهم الحرمان ويسدّ جوع عيالهم، والأهم من هذا كله ما يمنحهم الأمن والأمان في بلد تحكمه شريعة الغاب ويتسلّط عليهم فيه أمراء السلاح الذين يهددونهم بالقتل في الطرق، ويقضّون مضاجعهم حتى وهم في الفراش.

المسألة لم تعد بحاجة الى البحث عن أسباب غرق العبّارة، والسعي الى معرفة من جازف بهؤلاء وألقى بهم في محيط ابتلعتهم أمواجه التي لا تعرف رحمة بطفولة ولا شفقة بأم تلاقي المصير نفسه ولا بقلب أبٍ يشاهد أطفاله التسعة يغرقون أمام عينيه وهو عاجز عن مد يد العون لهم وانتشالهم، إنما السؤال المنطقي، ما هو الواقع الذي بلغه أرباب هذه الأسر المنكوبة، وجعلهم يفضلون رحلة الموت المحتمل على البقاء في بلدهم، وتحت رحمة حكام لا مكان للرحمة في قلوبهم؟، أي واقع هذا الذي آثر فيه أب بيع محله التجاري ومنزله في باب التبانة في طرابلس؟، وأي حال بلغه فقير آخر في عكار باع أرضه بأبخس الأثمان غير آسف على ما ترك، وغير مبالٍ بما ينتظره، ليهجر هذا الوطن الى غير رجعة؟.

المسألة أن هؤلاء جميعاً ومن سبقهم ونجا ومن هو مصمم على اللحاق بهم، كانوا أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الاستغناء على كل ما يملكون من حطام الدنيا، والدخول في مغامرة “لعبة الموت” علّهم يعبرون الى بلاد تحترم الإنسان وكرامته، وتحفظ لأطفالهم حقهم في الطبابة والتعليم والحياة الكريمة، وإما البقاء في مهبّ الجبهات العسكرية المفتوحة، أو السيارات المفخخة والمتنقلة في كل مكان، أو السلاح غير الشرعي المتفلت الذي يكمن لهم في الطرق والأحياء والأزقة، وأحياناً تصطادهم قناصاته داخل منازلهم.

قضية هؤلاء الضحايا ليست قضية أناس أرادوا استبدال حياة سيئة بأخرى أفضل وحسب، إنها قضية السواد الأعظم من اللبنانيين الذين كفروا بالبلد.. هي قضية شعب بات يعيش غربة داخل وطنه، شعب تخلّت عنه دولته ولم تعد تجد فيه إلا رقماً في سجلات النفوس، أو مكلفاً تجبي منه الضرائب، أو مواطناً عليه أن ينحني ويسلّم أمره لقوى الأمر الواقع التي تصادر إرادته وخياره وحتى انتماءه، وإلا حوّلته الى عميل ومتآمر، موضوع على لائحتها السوداء.

لا شكّ في أن حكاية الرحلة المأساة ستبقى بنتائجها الأليمة تدمي القلوب، لكنها في الحقيقة هي حكاية أكثرية اللبنانيين الذين أصبحت السفارات قبلتهم، والتأشيرة أملهم والرحيل من وطن لا مستقبل فيه غايتهم.. حكاية شعب كلّما لاحت أمامه تباشير الأمل بدولة يعيش تحت ظلّها بكرامته، تأتي القوى الظلامية لتبدد أمله، وتدفع به الى الخيارات القاتلة، الخيارات إياها التي اختارها ضحايا عبّارة الموت مرغمين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل