#adsense

بماذا تختلف أولويات العُمانيين عن اللبنانيين؟

حجم الخط

لا يمكن فهم معنى القلق الوجودي الذي تعيشه الشعوب القلقة على وجودها ومصيرها ومستقبلها، إلّا بعد الاختلاط والتفاعل مع الشعوب الأخرى، حيث يظهر بوضوح مدى اختلاف الأولويات والاهتمامات. فالهمّ الوجودي للّبنانيّين جعلهم مسيّسين حتى العظم، ليس فقط دفاعاً عن قناعاتهم وأفكارهم، إنّما انشداداً لمتابعة التطوّرات والأحداث في محاولة لاستطلاع مدى انعكاسها على أوضاعهم سلباً أو إيجاباً.

فالسؤال البديهي بالنسبة اليهم يتصل ببقاء لبنان أو زواله، ويرتبط بيوميّاتهم لا مستقبلهم، في ظلّ الخوف الدائم على حياتهم من انفجار سيارة مفخّخة أو اشتباكات بين عشيرتين، أو حرب متوقّعة في أيّة لحظة، ما يحدّ من طموحاتهم وتطلّعاتهم وأهدافهم، فيما تختلف اهتمامات الشعوب التي تنعم بالاستقرار ومقارباتُها، ومنها الشعب العُماني الذي يقارب مسؤولوه القضايا العربية الساخنة بعقل علميّ وبارد، وتخلو تحليلاتهم من العامل الذاتي المتصل بتمنّياتهم وعواطفهم، لأنّهم لا يراهنون على التطوّرات والتحوّلات، إنّما يحرصون على الابتعاد عن التوترات، مع التمنّي الدائم باعتماد الحوار وسيلة لحلّ النزاعات.

وتظهر حماسة المسؤولين العمانيين في الحديث عن شؤونهم وشجونهم وملفّاتهم الداخلية، خلافاً للّبنانيين الذين لا يتحمّسون سوى للكلام السياسي. فالإصلاحات التي أدخِلت على النظام السياسي العماني تأخذ كلّ جهدهم ومتابعتهم، وعنها يدور الحديث باعتزاز، هذه الإصلاحات التي تتمّ على طريقة الجرعات والتراكم منعاً للدعسات الناقصة وليعتاد المواطنون النهج الجديد ويتأقلموا مع هذه التحوّلات البطيئة ولكن الثابتة.

فالتعيين في المواقع العامة، بالنسبة الى المسؤولين العمانيين، له مبرّراته في هذه المرحلة، وفي طليعتها أنّ الانتخاب الذي يعكس إرادة الناس وتطلّعاتهم قد لا يوصل غالباً الشخصيات المُلمّة بالتشريع والشأن العام، الأمر الذي كان وراء قيام نظام المجلسين: مجلس الشورى المكوّن من أعضاء منتخبين يمثّلون كلّ ولايات السلطنة، ومجلس الدولة المكوّن من أعضاء معيّنين من بين فئات الوزراء والسفراء وكبار القضاة والضبّاط (…) السابقين. وفي هذا السياق، قدّم رئيس مجلس الدولة الدكتور يحيى بن محفوظ المنذري لمحة عامّة ومنهجية عن عمل المجلس واختصاصاته وأجهزته وتكوينه وأدواره واجتماع اللجان داخله ونظام التصويت وحقوق الأعضاء وواجباتهم.

وما ينطبق على نظام المجلسين ينسحب على التجربة البلدية الحديثة، حيث إنّ الأعضاء منتخبون، فيما رئيس البلدية معيّن، وسبب تعيينه عدم إلمام المواطنين في طريقة إدارة هذا المرفق وطريقة عمله، وبالتالي من الأهمّية في مكان تعيين شخصية على اطلاعٍ وثيق بعمل إدارات الدولة لتتّضح عبر الممارسة حدود صلاحيات البلديات ومدى حاجة المواطنين إليها، خصوصاً مع جعلهم مسؤولين مباشرة عن قضاياهم وخدماتهم وإنماء مناطقهم.

وفي هذا الإطار، شكّل اللقاء مع عضو المجلس البلدي لمحافظة مسقط السيدة الشيماء الرئيسية مناسبة تتجاوز الحديث عن دورها البلدي الذي فرَّغت كلّ وقتها في سبيله، الى الكلام عن دور المرأة في المجتمع العماني، حيث تتبوّأ مواقع وزارية ونيابية وبلدية، في ظلّ غياب أيّ حساسية لدى المجتمع أو القبائل، وتضطلع بدور سياسي واقتصادي وتنموي، ومن مؤشّرات الحداثة أنّ الشيماء أدارت معركتها البلدية على “الفايسبوك” (أكثر من 20 ألف صديق) و”التويتر” (أكثر من 16 ألف متابع) واللوحات الإعلانية.

واستحوذ الإعلام الحيّز الأكبر من النقاش مع وزير الإعلام الدكتور عبد المنعم بن منصور الحسني في جلستين متتاليتين تطرّق الحديث خلالهما إلى الإعلام الرسمي والخاص الذي يعمل ضمن حدّين: نقل الخبر المحلّي والإقليمي والدولي بموضوعية وأمانة وبلا تدخّل وانحياز، أي الإصرار على عدم تغييب أيّ معلومة مع ترك الباب مفتوحاً أمام القارئ للتحليل والاستنتاج. والحد الآخر تأكيد سياسة الحياد التي تحوّلت ثقافة شعبية ونهجاً متأصّلاً في سياسة السلطنة.

ولكنّ الأمر غير المفهوم لدى السلطنة هو الإصرار على سياسة الـ”low profile”، علماً أنّ بإمكانها تسليط الضوء على حركتها السياسية التي تبقيها كوالسية، والدليل أنّ زيارة السلطان قابوس الى طهران شغلت الإعلام وما تزال، وبالتالي القيام بمبادرات توفيقية ومؤتمرات سياسية كونها أرضاً حيادية يفيد السلطنة ولا يضرّها، ويمكنها أيضاً إخراج إعلامها من مَحلّيته السياسية إلى فضاء التحدّيات العربية، من دون المساس بسياستها الحيادية، لا بل تشكّل مناسبة لتعميم هذه السياسة، خصوصاً أنّ الثورات العربية أكّدت أولوية القضايا المحلّية على العناوين القومية والشعارات اللمّاعة والفضفاضة التي أثبتت عقمها وفشلها.

ولا بد في ضوء الكلام عن عمان من الإشارة إلى مسألتين: أوّلاً، أنّ اللبنانيين هم الوحيدون بين أشقّائهم العرب، دون الخليجيين بالتأكيد، الذين يمكنهم دخول السلطنة بلا تأشيرة، والثاني أنّ المسيحيّين يمارسون طقوسهم الدينية في أكثر من 7 كنائس بحرّية وعلنية.

وفي العودة إلى السؤال المركزي: بماذا تختلف أولويات العمانيين عن اللبنانيين؟ تكون الإجابة أنّ الاختلاف هو، كما ورد أعلاه، في الهموم بين تحدّيات وجودية وأخرى حياتية. ولتأكيد المنطق العماني من المفيد الإشارة الى نقطتين: الأولى، أنّ اللبنانيين الذين يهاجرون تتراجع لدى معظمهم المتابعات اليومية للشأن اللبناني، وتتحوّل اهتماماتهم الى تركيز حياتهم في بلاد الانتشار. والنقطة الثانية تظهّرَت مع الكلام عن الضربة الغربية على سوريا، حيث رفضت الشعوب الغربية أيّ تورّط خارجي، مُبدِّيةً ملفّاتها الداخلية على أيّ اعتبار آخر، وبالتالي الشعوب التي تنعم بالاستقرار تصبح أبعد ما يكون عن التورّط في أزمات ممكن أن ترتدّ إلى داخلها

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل