أخطأ رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان عندما قَبل أن يضع مصير “حكومة الوحدة الوطنية”، وهي الأخيرة التي ألَّفها الرئيس سعد الحريري اذ “هاجر” بعد دفعها الى الاستقالة في اثناء اجتماع له مع الرئيس الأميركي باراك اوباما في البيت الابيض، في يدِ وزير أطلق عليه الجميع في لبنان اسم الوزير الملك. وكان يومها الدكتور عدنان السيد حسين. وربما نجم خطؤه عن “طيبة قلبه” كما يقال، وعن ثقته بالناس واطمئنانه الى ما يسمعه منهم، وخصوصاً اذا كانوا جزءاً من فريقه مدة من الزمن، وايضاً عن عدم تمرّسه في السياسة اللبنانية وأزقتها ودهاليزها ومفاسدها يوم كان على رأس المؤسسة العسكرية، وقد أدرك خطأه يوم وقعت الواقعة، أي يوم قرَّر “حزب الله”، وطبعاً بعد تنسيق مع حليفه السوري وراعيه الايراني، التخلص من الحكومة بعدما ضمن تحولاً في الأكثرية النيابية لمصلحته ومعه فريق 8 آذار، وتأليف حكومة تمثّلهما و”الوسطيين الجدد”. ويوم قرَّر ايضاً توجيه ضربة معنوية مثلّثة لأميركا ولحليفتها المملكة العربية السعودية و”رجلها” في لبنان الحريري. وكان الخطأ عدم اعترافه ربما بحدة الانقسامات المذهبية الحادة، واقتناعه بأن “الثنائية الحركية – الحزبية” المسيطرة على غالبية الشيعة لن تستطيع التأثير على شيعي معتدل ومثقف اذا اختاره الرئيس ليمثّله في الحكومة. وهذا أمر كان يمكن أن يحصل ايضاً مع وزير من طائفة أخرى او من مذهب آخر. طبعاً لا أحد يلوم الرئيس سليمان على الخطأ. فهو كائن بشري، والعصمة ليست الا لله وحده عزّ وجلّ. لكن كان يفترض، وفي رأي الكثيرين من رجال السياسة المتنوّعي الانتماءات والمتناقضي الاتجاهات، أن يتعلّم من الخطأ المذكور، وكان فادحاً، اذ ان حكومات الوحدة الوطنية على فشلها تبقى أفضل من حكومات أكثرية، وخصوصاً في مرحلةٍ اقليمية ملتهبة، وفي أوضاعٍ سورية فقدت استقرارها، وفي ظل إسفار المذهبية عن وجهها واصطفاف السنة والشيعة مع طرفَي الحرب الاقليمية في سوريا انطلاقاً من دوافع مذهبية.
هل تعلّم رئيس الجمهورية من التجربة الصعبة التي أصابته شخصياً وقبل الجهات الثلاث المذكورة أعلاه؟
أظهر تعيين مجلس الوزراء الوزير السابق السيد حسين رئيساً للجامعة اللبنانية بموافقته أنه نسي الاساءة الشخصية، وهذا أمر جيد. لكنه أظهر في الوقت نفسه أن الرئيس، وبدلاً من أن يعاقب معنوياً على الأقل مَن فرَّط بثقته، كافأه بتعيينه في منصب جديد. والمعلومات المتوافرة تشير الى ان هذا التعيين لم تطلبه “الثنائية الشيعية” كما انها لم تنزعج منه، علماً انها لم تكن هي التي اقترحت تعيينه قبل ذلك وزيراً في حكومة الرئيس الحريري. وهذا أمر لا بد ان يشجّع الكثيرين من كل الطوائف والمذاهب الى سلوك نهج مماثل وخصوصاً اذا كانوا من أصحاب الطموحات ومن المستعدين من أجل تحقيقها لبذل المسموح ببذله وغير المسموح ببذله.
والأخبار التي تداولتها وسائل الاعلام في الأسبوعين الماضيين ومجالس “الكبار” في البلاد أشارت الى أن فكرة الوزير الملك وردت على فكر كثيرين من الرؤساء، وصاروا أربعة اليوم مع تمام بك سلام، كما على فكر رئيس “مجلس الشيوخ” بالقوة وليس بالفعل حتى الآن وليد بك جنبلاط. ورغم عدم الارتياح لها فقد اعتبر البعض من هؤلاء انها تحلُّ مشكلة. فمن جهة لا يتخلى الرئيس المكلَّف عن حكومة “الثلاث ثمانات”، ومن جهة أخرى يتخلى “حزب الله” و8 آذار عن الثلث الضامن او المعطّل ولكن في مقابل وزير ملك مسيحي يثق به بري وجنبلاط وسلام. ولم تنزعج من اسمه العربية السعودية وغيرها،ويفترض أن يثق به رئيس الجمهورية لأنه، ورغم ماضيه السياسي الذي يأخذه عليه البعض، لم ينتم الى 8 و14 آذار، وكانت علاقته جيدة بالرئيس الشهيد رفيق الحريري رغم موقفه السياسي العام. وكان توافق مهم بينهما على مواقف عدة منها عدم التمديد للرئيس اميل لحود. لكن فكرة هذه الحكومة أطاحتها أمور عدة قد يكون أبرزها عدم ارتياح الرئيس سليمان لاسم الوزير الملك، وهو النائب والوزير السابق جان عبيد. ولا مبرِّر لعدم الارتياح هذا، في رأي العارفين و”الكبار” في البلاد، سوى الاعتقاد أن عبيد مرشح رئاسي دائم وجديّ وربما الأكثر جدية في هذه المرحلة، وأن توزيره يساعده على الدخول الى قصر بعبدا، أي يقطع الطريق على تمديد الولاية الرئاسية. فهل يريد سليمان فعلاً التمديد رغم نفيه العلني المتكرر لذلك؟
