قلق لبناني من تسوية أميركية – إيرانية
تترك لطهران قواعد نفوذها في المنطقة
على غرار الدول الاوروبية والعربية التي استاءت من حصر الاتفاق الاميركي الروسي حول سوريا بنزع الاسلحة الكيميائية لدى النظام السوري بما يسمح باستمرار الازمة في سوريا سنوات عدة أخرى، يقلق افرقاء لبنانيون كثرعلى نحو معلن وغير معلن من اتفاق ثنائي حول الملف النووي الايراني او حتى اتفاق جماعي في مجموعة الدول الخمس الكبرى زائد المانيا مع ايران وان يقتصر ذلك فقط على مقايضة هذا الملف برفع العقوبات الاقتصادية التي ترزح تحتها ايران وباتت غير محتملة بالنسبة اليها . هذا القلق ينسحب على دول المنطقة على نحو كبير باعتبار ان الملف النووي ليس ما يقلقها وحده خصوصاً ان تصنيع ايران القنبلة النووية لا يعني امتلاكها القدرة على استخدامها وهو ليس سلاحاً قابلاً للاستخدام اقليمياً او في العالم الاسلامي من أجل تنفيذ رؤية ايران بل ما يقلقها اكثر هو تمدد ايران في الدول العربية وسعيها الى تعميم نفوذها وسيطرتها داخل هذه الدول. وترى مصادر ديبلوماسية وجوب ان تسمع الدول العربية صوتها وتمارس تأثيرها على الولايات المتحدة وعلى الدول الاوروبية ايضاً من اجل ان يكون لمطالبها من ايران موقع متقدم على طاولة المفاوضات خصوصاً ان وزير الخارجية البحريني نقل عن وزير الخارجية الاميركية جون كيري قوله ان المفاوضات مع ايران ستقتصر على الملف النووي. والبعض يقول بضرورة ان تدفع هذه الدول في اتجاه ادراج كل المواضيع التي لايران صلة بها في المنطقة خصوصاً على طاولة الحوار وصولاً حتى الى موضوع المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية على غرار المؤتمرات التي عقدت في القرن الماضي وتضمنت معالجة شاملة للمنطقة. اهمية هذه المسألة بالنسبة الى لبنان انها ستأتي بنتائج سلبية باعتبار ان السلاح الاساسي لدى ايران سيستمر بعد ايجاد حل للموضوع النووي والذي يشكل التموضع الاقليمي لايران اساساً خصوصاً ان احد ابرز عناصره الاساسية هو وجود ايران ونفوذها في لبنان. من هذا المنطلق لا يناسب لبنان ما يجري في منحاه الضيق في حين ان لبنان عاجز لاعتبارات كثيرة عن اسماع صوته ومطالبه باعتباره معنياً في شكل مباشر بتداعيات هذا الملف اذ ان طبيعة التفاوض مع ايران وحصره في مقايضة بين الملف النووي والعقوبات الاقتصادية لا يناسب لبنان لان ذلك لن يغير من طبيعة الاوضاع فيه ولا ينهي الوضع الشاذ الذي يعيشه لجهة كونه قاعدة عسكرية متقدمة لايران عبر “حزب الله” بل يخشى من مضاعفات معاكسة. هذه المضاعفات تتمثل في اعتبارات عدة من بينها:
أولاً ان التوجه الايراني وفق ارادة مرشد الجمهورية سيقتصر على “المرونة البطولية” اي سلام الشجعان بما لا يجعل ايران تتحول جذرياً على غرار ما فعل ميخائيل غورباتشيوف في الاتحاد السوفياتي السابق بل ان النقلة النوعية الايرانية ستقتصر على الملف النووي.
ثانياً: ان حل ايران مشكلة ملفها النووي سيدفعها الى الانصراف الى التحرك بهامش اكبر في المنطقة حيث تستطيع ان تستمر في لعب دور على الساحة السورية التي تستنفد الكثير منها راهناً تعزيزاً لوجودها ونفوذها على نحو اكبر في المنطقة من دون اثقال بما لا يعتقد انه يفيد لبنان.
ثالثاً: ان تخلي ايران عن طموحاتها النووية التي لها ارتباط من حيث المبدأ باقامة ردع متبادل مع اسرائيل سيجعلها تصر على ان تدفع في اتجاه التمسك بـ”حزب الله” وتعزيزه على أساس ان يكون هو قاعدتها المتقدمة لهذا الردع.
رابعاً: ان الهدف الآخر المقابل لتعزيز دور الحزب هو في اتجاه تقويته كقوة اقليمية ضاربة لايران في المنطقة خصوصاً اذا استمر الوضع السوري متأزماً على حاله لسنوات أخرى وفق ما هو متوقع على رغم الكلام عن احتمال انعقاد مؤتمر جنيف في منتصف تشرين الثاني المقبل.
خامساً: في حال ادخلت مواضيع اخرى الى طاولة الحوار مع ايران حول ملفها النووي من غير المستبعد ان ترفع الاثمان في كل من الساحات الاساسية لها اي في سوريا ولبنان.
وتالياً فان الخشية التي يبديها هؤلاء الافرقاء هي في احتمال عدم ادخال لبنان او معالجة وضعه من ضمن مسار ايجاد حل للملف النووي الايراني للاعتبارات المذكورة اعلاه في ظل اعتقاد كبير ان ايران سترفض مناقشة ملفاتها في المنطقة بالتزامن مع ملفها النووي على غير ما كانت تطمح في الاعوام الماضية حيث كانت الولايات المتحدة ترفض ان تبحث مع ايران في شؤون المنطقة في اجتماعات مجموعة الخمسة زائد واحد وباتت مصلحة ايران راهنا تكمن في الموقف ذاته نتيجة التطورات التي تمثلت في الوضع السوري. اذ في الوقت الذي كان انطلاق الثورة السورية يشكل مأزقا لايران بات الوضع السوري في استمرار الحرب اطول مدة ممكنة يناسبها لأنه يبقي على النظام في حين يتم تحويل ما يجري في سوريا كحرب ضد التكفيريين وتسعير هذا الوجه للوضع في سوريا يساهم في التقاء ايران أكثر مع الدول الغربية ومع الولايات المتحدة وحتى مع اسرائيل. ومن هذه الزاوية يعتقد ان بقاء الوضع على ما هو في سوريا وبقاء الوضع اللبناني من دون اي تعديل على الاطلاق بما لا يؤثر على الحزب وقدرته على ادارته الوضع اللبناني بما يلائم مصالحه ومصالح ايران لن تفرط فيهما ايران في المدى المنظور. فماذا يترك ذلك من هامش للحركة أمام لبنان؟