كتب آلان سركيس في “الجمهورية”:
بين الموقف السياسي وصناعة القرار والمتغيّرات على الساحة الداخلية والاقليمية، تحاول بكركي رسم سياسة مستقلة تُوازي بين إرضاء جميع الاطراف المسيحيّين، والتزام نظرة الفاتيكان إلى أوضاع المنطقة.
أثارت مواقف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي منذ إنتخابه في ربيع2011 جدلاً واسعاً. وقد فاجأ موقفه من النظام السوري فريق “14 آذار”، المعتاد على مواقف سلفه الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير. وما زاد الطين بلّة زيارته لسوريا من جهة، وإعلانه مواقف فُسّرت تأييداً لسلاح “حزب الله”، ليعود ويؤكد في نداء المطارنة بدايةَ الصيف المنصرم ضرورة تسليم كلّ سلاح غير شرعي الى الدولة اللبنانية.
صناعة الموقف والقرار
يسأل المسيحيّون خصوصاً، واللبنانيون عموماً، عن الآلية التي يتبعها البطريرك لاتخاذ مواقفه وقراراته، وممَّن يتألّف المطبخ السياسي في بكركي.
في المبدأ, البطريرك الماروني سيِّد قراره في الملفّ السياسي، والمواقف التي يتّخذها تنبع من إقتناعاته، وقدّ كرّس البطريرك صفير عُرفاً في عهده، بحيث كان يُحدّد موقف البطريركية بطريقتين: إما موقف البطريرك، وإما موقف مجلس المطارنة الموارنة، ومع صفير كان الموقفان متقاربين”.
كان صفير يناقش خبراء سياسيين يجتمع بهم أسبوعياً ليبني مواقفه. وكذلك، عبر استماعه إلى المواطنين الذين يزورون الصرح البطريركي يومياً، فيعبّرون له عن آرائهم ويتحدّثون عن مشكلاتهم، فيأخذ صفير الملاحظات ويسجّلها، ثم يذهب السبت الى الصلاة، ويخرج الأحد بعظة تتضمّن الموقف السياسي. وقد تأكد إتباع صفير هذه الطريقة بعدما تطابقت مواقفه الأسبوعيّة مع النصوص التي نشرها الصحافي أنطوان سعد في كتبه عن “مذكرات البطريرك صفير”. والواضح أنّ سياسته كانت تتطابق مع سياسة الفاتيكان، مع حيّز من التمايز، ظهر جليّاً عندما رفض صفير زيارةَ دمشق للقاء البابا يوحنا بولس الثاني لإعتبارات سياسية، ولكي لا يزيد الإحباط عند المسيحيين عبر تسليمه بأنّ إحتلال سوريا للبنان أمر واقع. والجدير ذكره أنّ صفير وافق الفاتيكان في تأييد “اتفاق الطائف”، والجميع يعلم أنّ السفير البابوي آنذاك باولو بوانتي زار رئيس الحكومة الانتقالية العماد ميشال عون بعد انتخاب الرئيس رينيه معوّض، وأبلغ إليه موافقة الفاتيكان على “اتفاق الطائف”، واستمرّ انسجام صفير مع الفاتيكان حتّى تنحّيه عن مهماته لتقدمه في السنّ.
بكركي الآن
سارَ الراعي على طريقة سلَفه صفير من حيث المواقف اليوميّة والأسبوعيّة، وبيانات مجلس المطارنة الموارنة. أما آلية اتخاذه المواقف، فتقضي باستشارة عدد من المطارنة الموارنة القريبين منه وعلى رأسهم: سمير مظلوم، بولس صيّاح، شكرالله حرب وحنّا علوان، إضافة الى نظرته الخاصة للملفات المطروحة.
ومع التبدلات التي طرأت على سياسة بكركي مع انتخاب الراعي، والحديث عن انقسامات داخل مجلس المطارنة الموارنة، ينفي البعض صحّة هذا الموضوع، ويعتبرون أن “جسم المجلس موحّد والاختلافات في الرأي تحصل داخل الاجتماعات، لكنّ البيان الرسمي يُذاع بموافقة جميع المطارنة”. أما المقارنة بين تصرّف المطارنة في عهد صفير وعهد الراعي فغير جائزة، “لأنّ صفير أمضى 25 عاماً في السدة البطريركية واستطاع ضبط المطارنة، أما الراعي فحديث العهد، ومعظم المطارنة الذين يؤلّفون المجلس لا يزالون من عهد صفير، ولا يستطيع الراعي بالتالي استبدالهم لأنهم وصلوا بالتدرّج وبآليات قانونية، على رغم أنه نجح أخيراً في إيصال بعض المطارنة القريبين منه، مع التأكيد أنّ جميع هؤلاء ينتمون الى الكنيسة، والقول إنّ انتخاب المطارنة الجدد هدفه إنهاء سلطة صفير غير صحيح، لأنَّ المواقف التي اتّخذها المطارنة الذين ينتمون الى حقبة صفير تُناقض الخط الذي كان يسير به.
للكرسي الرسولي كلمة أساسية
بعد تحديد الآلية الداخلية لاتخاذ القرار في بكركي، يخضع هذا القرار لمؤثرات فاتيكانيّة، حيث التنسيق قائم ودائم بين الجانبَين. وتؤكد مصادر فاتيكانية لـ”الجمهورية” التنسيقَ مع بكركي في هذه المرحلة الاستثنائية. وتشير الى أنّ “تبدّل الموقف بين الراعي وصفير من النظام السوري، برز بعد انكباب الفاتيكان على درس أوضاع المسيحيين في المنطقة نتيجة “الربيع العربي”، موضحة أنّ “الفاتيكان حاول إعادة النظر في سياسته وليس إجراء تغيير جذري. فإعادة النظر قد تقضي بالعودة الى مواقف قديمة ثبُتت صحتها”. وتلاحظ المصادر أنّ “موقف الفاتيكان متحرّك بحسب أوضاع المسيحيين في المنطقة، فنظرة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني إختلفت عن نظرة خلفه البابا بنديكتوس السادس عشر، أو البابا الجديد فرنسيس الآتي من اميركا اللاتينة الى المقلب الآخر للكرة الأرضية، وقد تأثّرت سياسة الراعي بهذه النظرة الجديدة للملفات”.
أما بالنسبة الى مواقف الراعي من الملفات الداخلية، فمرتبطة، بحسب مصادر مطلعة، بـ”الاصطفاف الذي كان قائماً لحظة انتخابه، ما يمنع بكركي من المبادرة الى جمع المسيحيّين، بعدما كان يقاطعها قسم منهم، وقد حاول الراعي أنجاز المهمّة الصعبة بجمع المسيحيين. كذلك، حاول اتخاذ مواقف على المستوى الوطني للعب دور شامل بعدما كان قسم من اللبنانيين لا يعجبه مواقف بكركي”.
مسألة سوريا و”حزب الله”
وبالنظر الى الملفات الخلافية المسيحية والوطنية، تؤكد مصادر بكركي لـ”الجمهورية” أنّ “موقفها لم يتغيّر، خصوصاً في قضيّتين تثيران جدلاً مسيحياً، وهما الموضوع السوري وسلاح “حزب الله”. ففي الملفّ السوري، تعتبر المصادر أنّ “النظام السوري سيرحل حتماً، واذا بقيَ، لن يعود كما كان، لأنّ الشعب السوري والمجتمع العربي والدولي لن يقبلا بذلك. وإذا عاد الوضع الى ما قبل الثورة، فهذا يعني أنّ الديكتاتورية انتصرت وكأن شيئاً لم يحدث”، مؤكدة أنّ “بكركي تؤيّد دائماً الحلّ السلمي وليست مع النظام الذي ألحق الأذيّة بمسيحيّي لبنان، ولا مع المعارضة التي تتجه نحو التطرّف”، معتبرة أنّ “هدف الديموقراطية مهمّ جداً ويجب حصول تغيير، لكن ضمن الحفاظ على الانسان السوري وحقوقه”.
وتلاحظ المصادر أنّ “مَن انتقد الهواجس السورية التي تحدّث عنها الراعي، لم يكن محقّاً، فهو حذّر من الحرب الاهلية وحصلت، وحذّر من التقسيم، وسوريا تفرز مذهبياً اليوم، وكأننا نذهب من “الجبّ الى الدّب”. كذلك نرى الانقسام بين “الجيش السوري الحرّ” والمعارضة، فمنهم من يريد الذهاب الى مؤتمر “جنيف ـ 2″، ومنهم من يتجه نحو التطرّف واعلان جمهوريات إسلامية.
أما نحن فنطالب بتطبيق الديموقراطية ديموقراطياً، ونرفض المتطرّفين الذين يعيدون سوريا الى الوراء”.
وبالنسبة الى سلاح “حزب الله”، فتؤكد المصادر أنّ “لا تراجع عن مطلب نزع السلاح غير الشرعي”، واصفة انتشار القوى الأمنية في الضاحية الجنوبية لبيروت بأنه “أمرٌ ايجابي، ويجب أن تبسط القوى الشرعية سيطرتها على كل لبنان”. وتجزم بأنّ “بكركي لن تتاثّر بأيّ موقف سياسي، وهي مع المؤسسات الشرعية والاسراع في تأليف الحكومة”. وتشير المصادر من جهة أخرى، إلى أنّ محاولات لمّ الشمل المسيحي “مستمرة والورقة التي كانت تحضّرها بكركي تأخّرت بعض الشيء وهي تناقَش بين اللبنانيين والمسيحيين”.
من الواضح أنّ قرار البطريركية المارونية يتأثّر بمقدار كبير بشخصية البطريرك، وكذلك، بالفاتيكان. وبالتالي لن نشهد تغييراً مفترَضاً قريباً، وستستمرّ بسياسة كلاسيكية تقضي بالحفاظ على السقف الذي رسمته في نداءاتها الأخيرة.