دويلة = تصغير دولة، أو انقسام الدولة إلى دويلات.
بين الدويلة والميليشيا روابط عسكرية وسياسية ودينية. العبارتان ليستا منفصلتين، فلا يمكن تقسيم الدولة مثلاً إلا بوجود الميليشيا, ولا يمكن أن ينشأ في وطن ما تنظيم مسلّح خارج إرادة الدولة من دون أن يخلق هدفاً لنفسه مستعطفاً الشعب الى أن يظهر هدفه الحقيقي الخارج بدوره على الشرعية والقانون. فكلّما دار حديث بين مواطنَين لبنانيَّين اثنين اتّفقا على أنه عند القول الحزب المسلّح أو الميليشيا المسلّحة فهذا يعني “حزب الله” لأنه طبعاً لا يعني الشعب اللبناني الأعزل ولا الجيش اللبناني الشرعي أو القوى الأمنية الأخرى، وأن الدويلة هي تلك الدولة الصغيرة التابعة للميليشيا وهي إذاً لا تعني الجمهورية اللبنانية أو لا تمتّ الى لبنان بصلة!
من يسعى إلى بناء دولة القانون والمؤسسات؟ ومن يريد الدويلة ويسعى الى تغيير وجه لبنان من خلال الانقلابات والمطالبة بمؤتمر تأسيسي وطاولة حوار ممهّدة له؟ معروف ما يريده تيار “المستقبل” وما يريده حزب “القوات اللبنانية” وغيرهما من الأحزاب في قوى 14 آذار التي قدّمت رجالها على مذبح الوطن، ومعروف أيضاً ما يريده الطرف النقيض، ما عدا “التيار الوطني الحرّ” الذي يحتاج كلامه الى من يفكّ الألغاز لفهم المقصود أو المُراد… فهل كلامه “ضياع” سياسي، أو رسائل سياسية الى الحلفاء أو “تجليس” للخطّ؟
لهجة جديدة ذات مضمون غامض وهذا يُنبئ بتغيير ما… ولأنه لا يمكن أن يصدر أي “شطط” عن عضوين في “التيار” في يوم واحد، فإنه لا بدّ من استبعاد احتمال “الضياع”. ولأنه أيضاً ليس هناك من تقارب يذكر بين “التيار” وقوى 14 آذار، ولأن الأول مستمرّ بإظهار تأييده للنظام السوري خصوصاً بعدما خرق وزير الاتصالات الحظر الدولي على النظام، فإن كلام “التيار” ليس أبداً “تجليساً” للخط السياسي.
إذاً إنها رسائل سياسية، اختار “التيار” إيصالها الى حلفائه على لسان كل من وزير الطاقة جبران باسيل والنائب آلان عون في هذا التوقيت الذي يُشاع فيه بأن “حزب الله” يسحب بعض عناصره من الداخل السوري، ليس بقرار من الحزب طبعاً، إنما بناء على قرار إيراني جاء بعد محادثات أميركية-إيرانية.
يريد “التيار” أن “يحفظ رأسه”. ففي الوقت الذي كان من المفترض أن يتم الحديث عن ميليشيا وعن دويلة لم ينبس “التيار” ببنت شفة… ظلّ صامتاً من دون أن يناصر الحقّ، وهو اليوم أضاع بوصلته واحتار معه “الأطباء”، فهل يصحّ فيه اليوم قول الإمام علي “إنهم لم ينصروا الباطل ولكنّهم خذلوا الحق”؟
يعبّر باسيل عمّا يريده، في اختتام مؤتمر النبيذ اللبناني: “نحن نريد لبنان الدولة وليس الدويلة، لبنان الوطن وليس المزرعة”… فالمناسبة أرخت بثقلها على موقف الوزير، وبات “التيار” يريد الدولة ويرفض الدويلة، ويريد لبنان الوطن ويرفض المزرعة، وبهذا الكلام يكون باسيل قد ردّ على نفسه وانتقد “التيار” الذي لطالما دافع عن “حزب الله” المسلّح، وأبدى عدم اكتراث بسلاحه لينصبّ الاهتمام على ما يمكن أن يؤمن له من مواقع في السلطة. وانتقاد باسيل لنفسه وتناقض موقفه اليوم مع كل مواقف “التيار” بالأمس لهو دلالة واضحة على أن “التيار” يحتاج الى عملية “إصلاح وتغيير” داخلية!
في موقف مكمّل، يستبق النائب آلان عون كل الحلول التي تُعنى بالميليشيات والعصابات، ويبرّر ذلك عبر قوله بأن “عقلية الميليشيوي لا تتأقلم مع منطق الدولة والمؤسسات”، والسؤال هو كيف تمكّن “التيار” من التأقلم مع عقلية الميليشيوي منذ العام 2006؟ وإن كانت الميليشيا غير قابلة للتجانس مع الدولة، فلمَ قبل بمشاركتها الحكومة؟ وإن كانت الميليشيا تشكّل خطراً على مؤسسات الدولة ألم يكن من الأجدى الوقوف على الحياد، بعد الانفصال عن قوى 14 آذار، أوليس ذلك خيراً من أن يشهد قسم من المسيحيين أمام مار مخايل بالباطل؟
وبجرأة غير معهودة، لم يتردّد عون في عرض طريقة حلّ “العصابات المسلّحة”. وعادة ما تستخدم عبارة “حلّ” للكلام عن حزب معيّن، فالعصابات قليلاً ما تكون منظّمة، إضافة الى أنها لا تحتاج الى أن تحلّها الدولة لأن العصابة أساساً لا تقدّم العلم والخبر، إلا إذا بات “التيار” يعتبر حليفه “حزب الله” عصابة. ويقول عون بأن “حل مسألة العصابات المسلحة يكمن في سحب السلاح وليس في إدخالهم جميعاً إلى قوى الأمن الداخلي”، وهو موقف متقدّم يؤكّد أن أي عضو في أي “عصابة” بات من الضروري “حلّها” لا يعمل عمل العنصر في قوى الأمن الداخلي ولا يمكنه بالتالي أن يكون شرعياً ولا أن يحلّ محلّ القوى الشرعية لا في منطقته ولا في أي منطقة أخرى…
