#adsense

أيكون السيسي نسخة عصرية منقحّة من عبد الناصر؟!

حجم الخط

 

على امتداد العقود الثلاثة (وربما في عهد السادات) عندما كان النظام المصري يمرّ بتحدٍ مغ الغرب (أو مع اسرائيل) يستحضر “طيف” عبد الناصر لتملأ الشاشات والتلفزيونات عبر اعادة بث للأغاني الوطنية: التي يراد أن توحي جواً من استعادة النبرة “السيادية” و”التعبئة” الشعبية، للتذكير بأن مصر ما زالت قادرة على رفع التحدي الذي كان يرفعه عبد الناصر. وبعد “نهاية” الحالة، تعاد هذه الأغاني إلى الأرشيف في انتظار “مناسبة” أخرى، وكأن ما كان يصبح من الماضي الذي لا يزال صالحاً في كل مكان وزمان، نقول هذا ونحن (وسوانا) نعرف كم حاول السادات أن يشوه صورة عبد الناصر، عبر بعض “مرتزقته” في الإعلام المصري، وحتى في السينما: وقد شاهدنا أفلاماً عديدة “تركز على” القمع الذي كان يمارس في عهده. بل أن السادات حاول ضرب إرث عبد الناصر (وصولاً إلى الانفتاح) التشكيك بكل مكتسبات الثورة، وفي مقدمها الوحدة الوطنية، أي مساواة كل الشرائح والطوائف في الحقوق والواجبات. ومن لا يعرف كيف “ابتدع” أو “دعم” بعض التيارات “الدينية” المتطرفة في تحرشها بالاقباط، بل وكيف شجع مثل هذه القوى لضرب القوى اليسارية والناصرية والليبرالية والثورية. ومن لا يتذكر زيارة السادات “لاسرائيل” بعد كامب دايفيد؟ وكيف باع الناس أوهام “الانفتاح” والخيرات والازدهار الاقتصادي… الغربية والعربية.. تجاوزاً للاشتراكية!

اما الرئيس حسني مبارك فقد أكمل مسيرة الإجهاز على مكتسبات الرئيس عبد الناصر. فإذا كان السادات باع الأوهام عبر خدعة الانفتاح فمبارك “نهبها” وسعى إلى الخصخصة، واختزال النظام بالعائلة، حتى لم يبقَ شيء من انجازات الثورة سوى السد العالي، والتعليم المجاني والإعلام الرسمي…

فالسادات ومبارك كأنهما جاءا من ثورة أخرى. ومن واقع آخر.. بل كأنَ الثورة قامت من دون عبد الناصر. فاستحضار نبرته “شيء” واسترجاع مسيرته شيء آخر. نقول هذا لأن عبد الناصر، استحضر في “الثورة الأولى” 2011 عندما رفعت صور له في ميدان التحرير وفي الميادين الأخرى، سواء من قبل من تبقى من “الناصريين” الملتزمين أو بطريقة عفوية من الفقراء والفلاحين: وهو ابن فلاح وفقير. لكن الثورة الأولى طغى عليها المطالبة بإسقاط الرئيس مبارك، والنظام لربط ما يجري بثورة الضباط الأحرار 1952. لكن المفارقة انه على الرغم من الإيحاء بهذا الربط فقد طالب المتظاهرون بإسقاط حكم العسكر مع بروز محاولة هيمنتهم على السلطة بعد سقوط مبارك، وقد يكون ذلك مفهوماً عندما نرى ان الضباط الأحرار وعلى رأسهم محمد نجيب وعبد الناصر قاموا بانقلاب أدى إلى ثورة شعبية، في الوقت الذي حاول بعض الضباط (الطنطاوي) تحويل الثورة الشعبية إلى انقلاب. وقد اجتمع مختلف الأطراف المشاركة في التظاهرات على هذا المنحى، خصوصاً وان “الإخوان” المسلمين، وبعدما انخرطوا متأخرين في الثورة، حاولوا استيعابها. وهذا ما حصل في الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي أوصلت أكثرية لهم في مجلس الشعب، ومرسي رئيساً للجمهورية. سُرقت الثورة قالوا، سرقها “الأخونجي” من أصحابها الحقيقيين. وهنا بالذات برزت المعارضة السياسية والشعبية المضادة فمن عسكر الطنطاوي إلى “عسكر” الأخوان. من عسكر الثورة إلى أخونة الدولة. والكل يتذكر حجم التظاهرات في الميدان. وكذلك فداحة الخسائر التي تسبب بها “حكم” الأخوان.

إذاً عود على بدء. انتقلت المواجهة الشعبية لتحدد خصماً لها، حزب “حسن البنا”. صارت الثورة الأولى في حاجة إلى ثانية (وربما غداً إلى ثالثة أو رابعة).. وكانت حركة “تمرد” هذه المرة أي في الثانية هي رأس الحربة.. وتصاعدت وتائر الصراع، إلى ذروتها عندما أمّت شوارع مصر ومدنها حشود قدرت بعشرات الملايين تطالب باستقالة مرسي، في مواجهة أخرى ببقائه تحت عنوان “شرعية صناديق الاقتراع” مما أدى إلى تصادمات عنيفة، وسقوط قتلى وجرحى وخراب، واحراق مقار حكومية، وأمنية… هنا بالذات، وفي هذه المرحلة الثانية من الثورة كان لشبح عبد الناصر الظهور القوي، رفعت صوره، للتذكير أولاً بصراعه مع الأخوان ومحاولة هؤلاء اغتياله عام 1954، وثانياً للاشارة القوية إلى ان الجيش المصري، يجب ان تكون له المشاركة الواضحة، ولدعم الثورة من تسلط الأخوان. وعندما كان للجنرال السيسي ان يتقدم بهالة عبد الناصر أو ان يسترجع عبد الناصر في هالة السيسي الذي بدا وكأنه الرجل القوي بعد الثورة الثانية التي طالب الشعب بتفويضه استعادة الأمن، وحماية الدستور وارساء “خارطة” طريق (بعد تأليف الحكومة، وتعيين رئيس موقت للجمهورية). ولم تعد صور عبد الناصر ترفع أو تعلق وحدها: بل جاورتها صور السيسي. وصرنا نرى لافتات جمعت في صورة واحدة بين زعيم ثورة 1952، وقاطف ثورة 2013 ، انه السيسي اذاً “ناصِرُنا “الجديد، فهو الطرف الأقوى منا في مواجهة الأخوان بعدما نال التفويض المليوني، وعاد “المليونيون” إلى “قواعدهم” سالمين، مُسلِّمين زمام “أمورهم” إلى الجيش… فالجيش بخلفية التفويض من جهة والأخوان بخلف الشرعية والشرع من هناك. هنا الطوارئ ومطاردة الأخوان وسجن مرسي وبعض الزعماء وهناك العنف واللجوء إلى الطائفية والغيوب.. من جهة أخرى. شبح البنا وراء هؤلاء، وشبح عبد الناصر امام هؤلاء . كأنما “الماضي” بات عنوان المعركة، وعلى هذا الأساس راحت وسائل الثورة تسترجع عبد الناصر سنداً لسيسي، وفي الذكرى الثالثة والأربعين لرحيل الزعيم الكبير، ها هي المجلات والصحف (الموالية والمعادية للأخوان) تخصص اعداداً خاصة بعبد الناصر، (المصور، آخر ساعة..) مستعيداً انجازاته وشخصيته ودوره وحضوره وكاريزماتيه وسطوته وزعامته وعروبته ومعاداته للأخوان ومحاولة هؤلاء اغتياله عام 1954 وحل الحزب… الخ.

حتى المثقفون سواء منهم القوميون أو الناصريون أو حتى اليساريون والعروبيون، و”السيسيون”، والمعلقون راحوا من جديد يضيئون على المرحلة الناصرية، وكأنها حاضر الأمة، أي حاضر النظام قيد التكوين، من دون ان ننسى التركيز على الجيش ودوره وقوته وتاريخه.. سيسي + الجيش+ عبد الناصر+ الملايين مجتمعة تواجه الأخوان الذين سبق ان هاجموا عبد الناصر واتهموه بالكفر والالحاد وكذلك بالغدر. وفتحوا الملفات القديمة بين عبد الناصر والأخوان والمواجهة الكبرى التي قامت بينهما فمصر بحسب الثوار “صارت القومية العربية في عهد الزعيم مصدر قوة دولية وعربية لمصر وتزعمت مصر بالقومية العربية المنطقة كلها. انه “زعيم العروبة، زعيم العرب” وكان ذلك محور الخلاف بين ناصر والأخوان بعد نجاح ثورة 1952 في الاجتماعات التي تمت بينهما وقال ناصر عندها “ان أهداف تنظيم الضباط الأحرار تتلخص في إصلاح نظام الحكم السياسي بارساء قواعده على حُكم نيابي سليم والقيام باصلاح زراعي اجتماعي شامل”، وردَّ الأخوان في ذلك الاجتماع المفصلي: ان مبادئ الاسلام هي الأساس الوحيد الصالح لحكم مصر وعندما التقى المرشد العام حسن الهضيبي عبد الناصر في أحد المنازل في 30 يوليو 1952: طالب المرشد بتطبيق أحكام القرآن ” فقال عبد الناصر: ان الثورة قامت حرباً على الظلم الاجتماعي، والاستبداد السياسي وهي ليست إلا تطبيقاً لتعاليم القرآن” وقارب عبد الناصر مشكلة تماسك أبناء الوطن بصرف النظر عن أصولهم العرقية والدينية والمذهبية فتم إلغاء المحاكم الملّية والمحاكم الشرعية في أيلول 1955″ هذا ما حاول التركيز عليه مسترجعو عبد الناصر. اي إسقاط ما تم في الخمسينات على ما يحدث في 2013: أي من عبد الناصر إلى السيسي: من البكباشي عبد الناصر الى الجنرال السيسي. وهذا يستبطن أو يستظهر ان هذا الاستنهاض الثقافي والوطني والعروبي لناصر هو ربطه بوزير الدفاع الحالي، كشخص قادر على حكم مصر أو قيادتها. على غرار ناصر. فالذين ارادوا هذه المقارنة ارتكزوا على عناصر عدة مشتركة: 1) الجيش وحضور العسكر الوطني، 2) معاداة اتجاهات الأخوان، 3) العروبة مقابل الأسلمة، 4) النظام مقابل الفوضى. 5) ارتباط الثورتين والجنرالين بالجماهير، 6) السيادة المطلقة لمصر، 7) مكافحة البؤر المسلحة المتطرفة المدفوعة من الخارج… وفي كل ذلك يتقدم السيسي بصورته التي تنتصف صورة عبد الناصر. علاقة الملهَم بالملهِم والأصل بالشكل والماضي بالحاضر. بل ان بعضهم ذهب الى تفضيل السيسي على عبد الناصر “أكثر قدرة على تقدير المواقف واقل تسرعاً في اتخاذ القرارات وأكثر حنكة. فالسيسي يتحرك وفق معلومات لا وفق انفعالات (حمد يوسف مجلة المصور).

حتى السيدة هدى ابنة عبد الناصر تدعو السيسي إلى الترشح الى رئاسة مصر، ليستكمل الطريق التي بدأها والدها في بناء دولة قوية بحيش قوي ملك للشعب وليس للسطلة.

ولم تتأخر قرينة الرئيس السادات جيهان عن المشاركة في تزكية وزير الدفاع الحالي ففضلت السيسي على زوجها “عقلية السيسي تفوق ناصر وزوجها السادات ومبارك لأنها عقلية متطورة وحديثة”.

اذاً السيسي نموذج عصري لعبد الناصر. هذا ما حاولت الحملة الاستحضارية تكوينه او الايحاء به. لكن هناك من الطرف الآخر من يشوه الصورتين: المفكر الاسلامي فهمي الهويدي يرى “ان ما يجمع الاثنين أي السيسي وعبد الناصر تعطيل الديموقراطية والصدام مع الاخوان زاعماً انه مثلما أُعدِم تسعة اخوان في عهد ناصر قتل منهم في عهد السيسي ثلاثة آلاف!! اثناء فضّ اعتصامي “رابعة” و”النهضة” وما أكثر ما يجملهما انهما صانعا “انقلاب.. وحكم دكتاتوري” فهما في نظر الهويدي “مجرد دكتاتوريين عسكريين”.

الواقع ان النظرتين في عبد الناصر والسيسي تجيئان من باب خلط الأزمنة والظروف والناس والأفكار والثورات. فظروف عبد الناصر في مرحلة الخمسينات تختلف عن ظروف سيسي: عبد الناصر صانع ثورة وباني دولة وملهم جماهير. السيسي تماهى بالثورة “وورث” او “تملك” جماهيرها. عبد الناصر جاء تتويجاً لفكر النهضة، وجزءاً من الايديولوجيات القومية والتوتاليتارية وامتداد لمنظومات الحزب الواحد في الاتحاد السوفياتي وجمهورياته الاشتراكية ، بينما يأتي السيسي على انقاض الايديولوجيات والقوميات وحتى أفكار التقدم في مناخات الدولة وسيادة السوق وتراجع الفكر القومي العربي، ونهوض ما يسمى الاسلام السياسي، بوجوهه المعتدلة والمتطرفة والارهابية. عبد الناصر”وضع انقلاباً تحوّل ثورة شعبية، والسيسي تبنى كعسكري ثورة شعبية واخشى أن أقول “صادرها”… أو قيَّد مصادرتها، او على الاقل الاستفادة منها، عبد الناصر تعاون مع الأخوان لاسقاط الملك فاروق ثم استقل بالسلطة (الحزب الواحد). بينما جاء السيسي بعد حكم الاخوان ولو عاماً، مستفيداً من اخطاء هؤلاء الفادحة وتهاوي شعبيتهم. عبد الناصر جاء في زمن كان زعماء العالم الثالث نجوم المرحلة من كاسترو إلى تيتو وإلى غيفارا (وبعدها ماوتسي تونغ) من خلال انتشار الثورات التحريرية والأيديولوجية وخصوصاً اليسارية بمتفرعاتها. السيسي جاء في عصر بلا أحزاب، وبلا أفكار وبلا ايديويولوجيات وبلا نظم وبلا “دولة”. عصر صندوق النقد الدولي والسوق الحرة والليبرالية المتوحشة. عبد الناصر جاء في زمن العروبة والقوميات من خلال أحزاب البعث، بينما جاء السيسي في زمن تراجع فكرة القومية العربية بعدما دمرت الأنظمة العروبية احزابها وأفكارها.. عبد الناصر جاء في عزّ تصاعد الكيان الصهيوني (نكسة 67) بينما جاء السيسي وكأنما هذا الكيان الصهيوني بدأ يدخل في مراحل غروبه..

ولهذا نجد ان كثيراً من “القادة” العرب والاستبداديين حاولوا ان يكونوا “عبد الناصر”: صدام حسين بعد انتصاره على فرس ايران ظن انه عبد الناصر الجديد. معمر القذافي حسب انه”وارث” عبد الناصر ونتذكر ان هذا الأخير عندما التقاه في انقلابه قال له :انت بتذكرني بشبابي” شهادة توهم القذافي انها تعطيه صك الوراثة..
ولكن، في النهاية هناك عبد الناصر واحد. هذا المتقشف النزيه، النظيف الكف، السيادي، غير المورث ابناءه سوى تاريخه، وهذا الاستقلالي، وآخر الاشتراكيين. كاريزما عبد الناصر ليس لأحد ان يستعيرها ولا هيبته ولا تفانيه. هؤلاء الذين حاولوا ان يكونوا عبد الناصر أخذوا منها إتباعه “الحزب الواحد” و”الشمولية” وسطوة المخابرات.. ليس إلا! وتركوا مواصفاته الأخرى.

اما السيسي، فهو السيسي. لا أكثر ولا أقل. فلا هو ناصر ولا السادات ولا مبارك ولا صدام ولا شاوشيسكو. فاذا كان ممكناً ان نشبه عبد الناصر بالسيسي فعندها يمكن ان نشبه السيسي بعبد الناصر. لكن حسناً ان هذا الجنرال ومع تحفظنا على “طموحات” او على ممارسات “فرض قانون الطوارئ” … مثلاًُ، قد اتخذ ناصر “مثالاً” وحسناً انه يريد ان يكون “صورة” عصرية لعبد الناصر فأفضل ان يكون “بطل” السيسي عبد الناصر من ان يكون بطل الأخوان حسن البنا.

المهم، في كل ذلك ان تفضي كل هذه الأمور إلى نظام ديموقراطي متعدد، بلا طوارئ. وبلا تسييس للقضاء ولا قمع للحريات ولا امتهان سياسة “الحزب الواحد” ولا عسكرة الثقافة والاقتصاد..

عندها يلتقي السيسي انجازات عبد الناصر، وما لم ينجزه! عندها يكون السيسي سيسي. وعندها يكون مكملاً لناصر، لا نسخة حديثة او طبعة جديدة له! وعندها تكون الكلمة الأولى والأخيرة للجماهير (الديموقراطية) اي عندما يمكن هذه الجماهير ان تنتخب الحكام لا ان ينتخبها الحكام!
انها البداية.
انه لا يزال المخاض.
وأخيراً تحية إلى روح الزعيم العروبي الكبير جمال عبد الناصر!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل