#adsense

العائدون من رحلة الموت يروون لـ”اللواء” التفاصيل: وضعونا في عبّارة قديمة وتركونا نصارع الأمواج العاتية

حجم الخط

بعد طول معاناة عاد الى أرض الوطن 18 ناجياً من عبارة الموت الأندونيسية مقسمين اليمين على عدم ترك وطنهم بإستثناء أحدهم الذي أشار في مطار بيروت ألى أنه سيكرر المحاولة إذا ما إستمرت حياة المأساة التي نعيشها في لبنان. ثمانية عشر لبنانياً رجالاً نساءً وأطفالاً تركوا بعمق المحيط أكثر من أربعين رفيقاً عاشوا معهم على متن الجزيرة الأندونيسية حوالى الشهرين بإنتظار نقلهم إلى بر الأمان في القارة الأسترالية حيث لم يصل أكثرهم ولم يلمسوا الأمان بل عاشوا الرعب والجوع والعطش وإنسلخ جلد الأطفال منهم بسبب الحرارة ورياح البحر. بعد أربعة أيام عاشوها على متن عبارة لا يملكون وسائل إتصال ولا يجيدون الكلام مع من يقود العبارة وحدها السماء فوقهم والمياه المليئة بالأسماك الغريبة التي نخرت العبارة وإرتفاع الأمواج التي حطمت كل آمالهم بالوصول الى بر الأمان. عادوا اليوم الى أرض الوطن حاملين معهم كل انواع المأساة وأسئلة يطرحونها حول كيفية إكمال مسيرتهم بعدما خسروا كل ما يملكونه وكيف بالإمكان النهوض بحياتهم.

في طرابلس أعد إستقبال للناجين ورفعت اليافطات عند ساحة عبد الحميد كرامي ومستديرة أبو علي والتي تحمل صور الرئيس سعد الحريري واللواء اشرف ريفي والمهنئة بسلامة العودة الى أرض الشمال كما أطلقت الأسهم النارية والأعيرة النارية لحظة وصول لؤي البغدادي الى منزل أهله في البداوي.

شقيق الراعي وبعد إستقباله لزوجة أخيه وإبنها خليل قال لـ”اللواء”: بالرغم من المأساة التي ألمت بنا لفقدان شقيقي وولديه وشقيقتي إلا أننا سررنا ببقاء زوجته وإبنه على قيد الحياة. وفي نفس الوقت نحن بإنتظار إستلام الجثامين والذي نتمنى أن يتم بأسرع وقت ممكن فخسارتنا كبيرة وقلوبنا لن ترتاح قبل أن ندفن شقيقي وشقيقتي.

ورداً على سؤال يقول: الإشاعات بخصوص نقل الجثامين كثيرة بيد أن الكل يتفق على أن المسألة تحتاج الى وقت. لقد علمنا من عدة مصادر بأن بعض الجثث قد تحللت بسبب وجودها لوقت طويل في المياه إضافةً الى عدم حفظها في البرادات. وعن زوجة أخيه يقول: هي ما زالت حتى الساعة تعيش حالة من الصدمة لا يمكنها الكلام ولا حتى التعبير عن مأساتها فقد فقدت زوجها وولديها وما عشاته من مأساة ليس بقليل.

وختم مناشداً الدولة ضرورة الإسراع بإحضار الجثامين الذين قضوا بسبب ما عانوه في بلدهم من إهمال وحرمان.

زوجة الراعي نديمة محمد بكور وإبنها خليل اللذان لا يزالان يعيشان الصدمة لم تتمكن من الكلام لكنها أشارت إلى أنها وبإعجوبة تمسكت بحقيبة عائمة وتمكنت من الوصول الى الجزيرة حيث رأت إبنها خليل الذي لم يتجاوز عمره الثماني سنوات وهو ينازع فأنقذته.

الناجي أحمد كوجا روى المأساة قائلاً: تركنا لبنان بعدما مللنا من الحياة المأساوية التي تطالعنا في كل حين نحن أبناء منطقة باب التبانة، ذهبنا بحثاً عن الأمان أنا وزوجتي الحامل في شهرها السادس وصلنا الى أندونيسيا وبدأ التلاعب بنا إذ كان من المتوقع أن نمضي خمسة عشر يوماً فقط في أندونيسيا قبل أن ننتقل الى أستراليا. فإذا بنا نمضي أكثر من شهرين بانتظار الرحلة التي تم الإعلان عنها عن طريق العبارة التي صعدنا إليها على أمل الإنتقال الى باخرة أكبر وهنا بدأت المعاناة حيث قضينا أربعة أيام في عرض البحر دون أن نعلم أين نحن ولا إلى أين نتجه، وبينما كنا نطالب السلطات الأسترالية بإنقاذنا عبر الأجهزة المتوفرة لدينا كانت الوعود تطلق بأنهم سينقذوننا وبأنهم باتوا الى جانبنا وما هي إلا لحظات حتى واجهتنا موجة كبيرة قضت على العبارة وعندها لم نعد نعلم بشيء من أنقذ نفسه مثلي كتب له الحياة أما البقية فماتوا. على الجزيرة أتى البعض من أهاليها لإنقاذنا وبالفعل قدموا لنا المساعدة قدر الإمكان وعلمنا بعدها بأن الكل قد غرق ومنهم زوجتي التي لم أرها أصلاً.

وتابع كوجا: عشنا المأساة بكل ما للكلمة من معنى في هذه الرحلة لنستيقظ اليوم على مأساة أكبر بعدما خسرنا كل ما نملك من أحباب ومن جنى العمر.

محمد كوجا شقيق أحمد توجه بالعزاء من عائلة زوجة أخيه معتبراً أن الحزن عميق بيد أنه وفي الوقت عينه يشكر الله لإنقاذ شقيقه.

ورداً على سؤال قال كوجا: حقيقة أننا لم نجد أحداً من نواب طرابلس الى جانبنا بعكس نواب عكار الذين ساندوا أهل قبعيت، على كل حال الإنتخابات مقبلة وغداً لناظره قريب ومثلما عاملوننا سنرد الجميل.

رواية البغدادي

الناجي لؤي بغدادي من منطقة البداوي قال لنا: لحظة وصولنا الى أندونيسيا إستلمنا شخص من الجنسية العراقية وأوصلنا الى إحد الفنادق الذي بقينا فيه عشرة أيام بعدها تم نقلنا الى قرية بقينا فيها شهراً وعشرة أيام ومن ثم عدنا الى جاكارتا لنمضي فترة خمسة وعشرين يوماً الى أن حان موعد الإنطلاق في الرحلة. وهنا تجدر الإشارة الى أن الكذب بدأ منذ لحظة وصولنا إلى أندونيسيا حيث كان من المتوقع أن نمضي خمسة عشر يوماً لا أكثر فيها، لكن لأسباب نجهلها بقينا كل هذه المدة. حان موعد الإنطلاق فتم جمعنا في منزل واحد وكان عددنا 72 شخصاً من جنسيات مختلفة بينهم 35 لبنانياً توفوا ونجا 18 لبنانياً. مما يعني أن عدد اللبنانيين كان 53 شخصاً هذا عدا عن جنسيات أردنية وغانية وإيرانية.

تم الإنطلاق في العبارة وكان الإتفاق أن نلتقي بعد ساعة واحدة في باخرة كبيرة تقلنا الى أستراليا وقد تم إعطاؤنا الأجهزة المطلوبة من بوصلة وهواتف خليوية للتواصل مع المعنيين في أستراليا، فإذ بنا ننصدم بأن كل الأجهزة ليست فاعلة. بقينا أكثر من ثلاث ساعات في المياه إلى أن إكتشفنا بأننا تائهون في عرض البحر ومن يقود العبارة كان شاباً أندونيسياً لا يفقه شيئاً بأمور البحر وبقينا على هذه الحالة مدة أربعة أيام دون أن نعلم أين نحن ولا إلى أين سنتجه. وفجأة وجدنا بأن العبارة قد خلت من المازوت وبدأت المياه تدخل إليها، فعمدنا الى إفراغها يدوياً. وبعد مساعدتنا لسائق العبارة بدأنا نرى الجزيرة الأندونيسية أمامنا وقبل وصولنا إليها بـ٢٠٠ متر أتت موجة بعلو أربعة أمتار قضت على العبارة حينها لم أعد أرى أحداً الكل بات مشغولاً بإنقاذ نفسه، حاولت مساعدة البعض بيد أن علو الأمواج حال دون هذه المساعدة، إلى أن كنت من ثاني الواصلين الى الجزيرة حينها بدأت انا وشاب بإنقاذ الناس فتمكنا من إنقاذ طفل إيراني أما الباقين فكانوا أمواتاً.

ورداً على سؤال قال: طلبنا الإنقاذ من خفر السواحل الأسترالية بيد إننا عبثاً حاولنا الى أن أتى أهالي الجزيرة الذين بالفعل قدموا لنا المساعدة الإستشفائية المطلوبة. ولحظة وصولي الى الجزيرة طلبت من أحد المواطنين الذين جاؤا لإنقاذنا إستعمال الهاتف وقمت بالإتصال بوالدتي لأخبرها بما تعرضنا له وبأنني بقيت على قيد الحياة بإعجوبة كبيرة.

ولفت الغمراوي الى أنه كان بإمكان السلطات الأندونيسية والأسترالية إنقاذنا الى أنهم لم يحركوا ساكناً مما يوحي بأن هناك مخططاً كبيراً للتخلص منا كوننا دفعنا مبالغ طائلة وهناك خوف من طلب إسترجاعها لأن الرحلة لم تكن ناجحة من الأساس.

ورداً على سؤال قال الغمراوي لقد دفعت مبلغ ألفي دولار لشخص في منطقة مجدليا قبل السفر ويدعى أبو علي وحينما وصلنا الى أندونيسيا إلتقيت بشخص آخر يدعى أيضاً أبو علي مما يوحي بأنه إسم مستعار للعصابة بأكملها، وهناك في أندونيسيا توجهوا بنا الى أبو صالح المسجون بتهمة قتل سعودي بيد أننا تفاجأنا بإهتمام الضباط الأندونيسيين به الذين أدخلوننا الى غرفته حيث دفعنا مبلغ ثمانية آلاف دولار كون الرحلة تتطلب عشرة آلاف دولار عن الشخص الواحد. اليوم أقول بأنني خسرت من قضى في هذه الرحلة كوننا عشنا وإياهم أكثر من شهرين تعودنا عليهم وخسارتهم كانت فادحة إضافةً الى الخسائر المادية لأنني كنت أحمل مبلغ 30,000 دولار وقد خسرتهم بالكامل. اليوم بفضل الله عدنا الى بلدنا الذي نعشق وكنا قد إتخذنا هذا القرار على العبارة ونحن نعيش أسوأ فترات الإنتظار والضياع، كنا قد عاهدنا أنفسنا بالعودة الى لبنان في حال لو نجونا لكن القدر كان أقوى منا حينما قضى على الغالبية الساحقة من اللبنانيين، ولكن نناشد الدولة والمعنيين ضرورة الإلتفات لهذا الشعب الذي يعاني الأمرَّين في كل مرحلة وهو اليوم بأمس الحاجة للأمن والأمان والإستقرار ليكمل مسيرته على أرض وطنه.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل