#adsense

“داعش”00 أو الكابوس الذي يفتح لنا باب النظر

حجم الخط

من المفارقات الصادمة، وسط كل التعقيدات والمحن التي تجتازها الثورة السورية، أو “المسألة السورية” بشكل عام، أنّ التنظيم المنسوب الى “القاعدة” الذي يطرح تحدياً ميدانياً خطيراً في شرق البلاد وشمالها بالنسبة إلى قوى الثورة، والذي يمثّل بتركيبته وتسميته وشعاراته وأفعاله خروجاً فاقعاً على كل ما يمتّ بذي صلة إلى الكيانية الوطنية السورية، إنما يحمل اسم “الدولة”، “الدولة الإسلامية في العراق والشام” أو “داعش”، وكانت قبله “الدولة الإسلامية في العراق” التي كان الممانعون لسنوات خلت يجملونها في إطار “المقاومة الوطنية الشريفة ضد الاحتلال الأميركي”.

بقطع النظر عن منسوب الدقّة وعدم الدقّة، وإمكان التحقّق أو عدم التحقّق، من الشبهات الواقعية منها، والمبالغ فيها، حول أصل “داعش” وفصلها، فإنها صارت، لكذا سبب، من التمدّد الميداني والطابع المتطرف لها إلى سجل الخيبات الداخلية والخارجية العديدة التي راكمتها المسألة السورية، بمثابة حديث يشغل معظم المتدخلين في الشأن السوري حالياً، وبما يستخدم، بشكل ما، للتقليل من التطور النوعي الأبرز المتمثّل باستخدام السلاح الكيماوي في الغوطتين في شهر آب الفائت من قبل النظام الفئوي – البعثي.

يبقى أنّ استئثار “داعش” بمفهوم الدولة كتسمية لتنظيمها، هو مدعاة للنظر، وأي نظر. هذا التنظيم لم يكتف بالإمارة والرباط، ولم يجد حاجة للعبور إلى “الدولة” في خطة برنامجية، ولا حتى في تحديد موعد لإعلانها، غير موعد إذاعة نبأ تشكّله كتنظيم ناشئ عن شطب الحدود العراقية – السورية في عرفه، وبشكل يجعله معبّراً لحالة “جهادية” على جانبي الحدود، وهي حالة، تمثّل بانعدام عقلانيتها وشططها، انعكاساً لـ”نواة عقلانية” لمسألة كان من الأفضل طرحها بشكل منهجي، وسليم، عراقياً وسورياً ومشرقياً، إنما كانت من متابعات المكابرة عليها أن تلقفتها “داعش” وأخواتها. نعني بهذه، المسألة “العرب سنية” المتداخلة بين العراق وسوريا، مع اختلاف السياقين العراقي والسوري. فهذا التحديد الاثني – المذهبي له موقع “أقلوي” في العراق، بإزاء الشيعة والكرد، في حين أنه النسيج الأكثري في سوريا، بإزاء العلويين والأقليات الأخرى مذهبياً، والكرد قومياً. كذلك، فالتجربة البعثية بشقيها، أظهرت السنة العرب متغلّبين في “عراق صدام”، ومغلوبين في “سوريا الأسد”. يبقى أن التداخل بين قضايا “السنة العرب” في البلدين هو مسار تصاعدي، منذ سقوط البعث بفعل الاحتلال الأميركي في العراق، ثم تخلع نظامه بفعل الثورة في سوريا. في البلدين، هذه المجموعة تتعرّف على نفسها بهذا التحديد المزدوج، مذهبياً وإثنياً، وفي مواجهة أشكال مختلفة من النفوذ الإيراني في الإقليم، وبالتقاطع مع محاولات مختلفة من “إعادة الدخول العربي” اليهما.

هذه المسألة السنية المتداخلة بين العراق وسوريا يكابر عليها أو لا يراها معظم الناس، إلا “داعش”، أو بالأحرى اسم داعش. وهي استطراداً، ليست مسألة مرتبطة بانقلاب التوازنات الطائفية في البلدين فقط، بل إنها أيضاً، تطرح، وبشكل مقلق، شكل العلاقة بين هذه المجموعة “العرب السنة” وبين المجموعة الكردية، بالتوازي مع استفحال الصراع المذهبي السني – الشيعي، المستتبع للمسألة العلوية الآن كطيّ من طياته.

“داعش” الدولة، ليست إإمارة، ولا دولة أمة. هي بالأحرى كابوس, من حق الثورة السورية ومن واجبها الاحتماء منه بما أوتي، وبما ألهمت به من حيل نافعة. يبقى أنّ “داعش” هي المرآة، ليس فقط لأخطاء الثورة، ولتلكؤ العالم عن نصرتها، الخ. بل، قبل كل شيء، لهذه المكابرة، عن طرح المسألة المزدوجة، مذهبياً وإثنياً، مسألة “العرب السنة” في العراق وسوريا في زمن سقوط البعث بالتدخل الاجنبي في الأول، واحتضاره الدموي بالانتفاضة عليه في الثاني.

سهل “الوعظ الوطني الثوروي” في مواجهة “داعش” ومثيلاتها. سهل طمأنة الذات بأن كل الثورات تواجه لحظات صعبة، حيث تقع ما بين نارين. لكن ما هو أصعب، هو الشخوص الى المفارقة التي تحملها “داعش”، ابتداء من تسميتها: إعراض كامل عن أي معطى كياني وطني سوري، وتبنٍّ اسمي لمفهوم “دولة” ليست بحاجة للعبور إليها، ولا لصياغتها، ولا لإيجادها، دولة “طيفية”، غير محدّدة جغرافياً إلا للإشارة إلى مسألة إثنية مذهبية مركبة، وبما يحاكي الى حد كبير مزدوجة الباشتون – الطالبان، في أفغانستان ووزيرستان.

الموضوع شائك، والخوض فيه له محاذيره، لا شك. إنّما، كلّ نظر في المسألتين العراقية والسورية، يكابر على اختلاطهما أو تداخلهما، بالنسبة الى “السنة العرب”، انما هو نظر قاصر، يتدرّج بالنتيجة الى محاكاة التعريفات التبسيطية للإرهاب على أنه يأتي من الفضاء الخارجي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل