هل مَن يستعجل التوريث داخل التيار من خارجه؟

بعد المعركة التي خاضها «حزب الله» ضد وصول العميد شامل روكز إلى قيادة الجيش اللبناني، يخوض اليوم معركة استبعاد روكز عن قيادة «التيار الوطني الحر».

إنّ أولوية “حزب الله” في المرحلة الفاصلة عن انتزاعه أي تعديل دستوري يمنحه مذهبياً حق الفيتو عوضاً عن الثلث المعطل، تبقى في الحفاظ على تحالفه مع الجنرال ميشال عون الذي يؤمن له وظيفتين أساسيتين: الغطاء المسيحي، والحجم النيابي لتكتل 8 آذار زائد عون الذي يتلطّى خلفه للمطالبة بالثلث المعطل. وإذا كان حق الفيتو هو الحد الأدنى المطلوب في حال خسارته لتحالفاته الوطنية ورفضه التسليم باللعبة الديموقراطية على أساس الأكثرية والأقلية، فإن هدفه الأول يبقى في نسج تحالفات عابرة للطوائف توفر الغطاء الوطني لسلاحه وتتيح له الإمساك بالقرار الوطني ديموقراطياً.

ومن هذا المنطلق يعتبر الحزب تحالفه مع العماد عون استراتيجياً، وهو أحرص ما يكون للحفاظ على هذا التحالف، وهذا ما يفسر إلى حد بعيد امتصاصه لكل الانتقادات التي وجّهها عون إليه على أثر التمديدَين النيابي والعسكري. واللافت في هذا السياق أن التوريث داخل التيار طرح مباشرة بعد استبعاد روكز عن رأس المؤسسة العسكرية، وكأن “حزب الله” يخشى على مستقبل التحالف مع “التيار الوطني الحر” في حال آلت قيادته إلى روكز، ومن هنا جاء فتح هذا الملف استباقاً لأيّ مفاجأة من هذا النوع.

وخشية “حزب الله” متأتية من اعتبارات عدة، أبرزها:

أولاً، الحيثية العونية قامت أساساً على فكرة الالتفاف حول الجيش، وهناك شريحة واسعة داخل التيار ترى في روكز استمرارية لعون، خصوصاً أن مسيرته العسكرية تساهم في تعزيز هذه الوضعية وتقويتها.

ثانياً، وصول روكز الى رأس المؤسسة العسكرية كان سيحسم الخلافة داخل جسم التيار الذي يُبدّي بطبيعة الحال شخصية سَلكت نفس طريق مؤسسها، وتنتمي إلى المؤسسة نفسها التي ترى فيها الضمانة للبنان.

ثالثاً، السجل العسكري لروكز في مواجهة السوريين ورفضه التسليم بالأمر الواقع إبّان الحرب وبعدها، هو من العوامل التي تزيد من قلق الحزب.

رابعاً، التحالف الاستراتيجي بين الحزب والتيار لم ينعكس تقارباً بين الأوّل وروكز.

خامساً، عودة التيار مع روكز الى الخطاب العوني الأساسي الذي سبق ورقة التفاهم، والقائم على مركزية الدولة ضمن أولوية القضية اللبنانية في موقف رافض لكلّ المحاور الخارجية. وهذا الخطاب بالذات هو الذي حصد ما حصده في انتخابات العام 2005، وعاد وخسر جزءاً واسعاً من رصيده بعد تفاهم مار مخايل.

وانطلاقاً ممّا تقدم، يتبين أن هناك من افتعل إثارة خلافة الجنرال، بعد عمر طويل، في محاولة لضمان الحفاظ على الخط السياسي الحالي للتيار، تجنباً لأيّ عملية قلب للتحالفات وخلط للأوراق تصبّ في مصلحة 14 آذار ويكون “حزب الله” المتضرر الأكبر منها، لأنّ فَك التحالف بينهما سيجعل الحزب ينكفئ وطنياً ويفقد أهم ورقة من أوراقه الداخلية، فيما 14 آذار، التي ستستفيد من تفكك تحالف 8 آذار، ستكون أمام تحد جديد يتمثّل بولادة قوة وسطية حقيقية لا يُستهان بها، تعزّز حضورها على حساب القوى الأخرى التي تشهد تضعضعاً في صفوفها وتركيبتها وبرنامجها. وإذا كانت مسألة التوريث مسألة عونية داخلية، وحقّ عوني غير قابل للنقاش، إلّا أن تأثيراتها الوطنية خارج التيار تجعل محاولات التأثير الخارجية في مجرياتها طبيعية، فكيف بالحري لفريق سياسي بحجم “حزب الله” يريد أن يضمن استمرار التحالف مع فريق مسيحي أساسي هو بأمسّ الحاجة إليه اليوم وغداً في ظلّ تَنامي الحديث عن غياب “الكيمياء” بين الحزب وروكز، وبالتالي حاجته إلى استبعاده لضمان استمرار التحالف بين مكوّني ورقة التفاهم.

ومن المتعارف عليه أيضاً أن صراع الأجنحة داخل أيّ حزب أو تيار سياسي مسألة صحية، لأنّ وجودها يوسّع هامش اللعبة الديموقراطية الحزبية. وبالتالي، من الطبيعي أن يدخل التيار في عملية شَدّ حبال لحسم مآل القيادة، فضلاً عن أن حسمها في ظل المؤسس يُكسب الخلف مشروعية سياسية ويُحمِّل المؤسس مسؤولية مواصلة خلفه نَهجه السياسي نفسه، وهذا ما يفسر سَعي “حزب الله” إلى حسم هذا الملف باكراً قطعاً للطريق على أيّ مفاجآت تفضي إلى إعادة النظر بالخط السياسي المُستجِد للتيار منذ العام 2006.

ويبقى أن هذه المقاربة التحليلية تحاول الإضاءة على زاوية تتصِل بملف وطني، لأنّ ترتيب البيت العوني تتجاوز ارتداداته حدود هذا البيت إلى التحالفات والاصطفافات الوطنية. وبالتالي، لا تبغي الإساءة إلى التيار ولا الى أيّ شخص أو خط من الخطوط المتنافسة بشكل مشروع، بقدر مواكبة هذه القضية التي تعني شريحة واسعة من اللبنانيين.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل