#adsense

الطبقة السياسية عاجزة.. ماذا نفعل؟

حجم الخط

عودة الناجين من «عبّارة الموت» الأندونيسية، أمس، ووصول جثامين الضحايا غداً إلى بيروت، قد يُسدل الستارة على إحدى أقسى الفواجع التي حلّت بعكار، وأوجعت الوطن كلّه، وكشفت حجم المعاناة التي تعيشها شريحة واسعة من اللبنانيين في بلد الآباء والأجداد، والتي تدفع كثيرين منهم إلى ركوب مخاطر البحار، والهجرات غير المأمونة، بحثاً عن لقمة العيش والحياة الكريمة.

ولكن هذه الفاجعة، على قساوتها، لن تضع حداً لمسلسل المآسي والأزمات الذي يُهيمن على العباد والبلاد، بسبب تفاقم الانقسامات الداخلية، وتشابك الصراعات السياسية، واختلال المعادلة الوطنية، وانعكاس كل ذلك على حالة العجز والشلل التي تضرب الدولة، وتعطل المؤسسات الدستورية.

الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، التي أرهقتها الخلافات السياسية، وما يرافقها من حملات شحن وتوتير، وصلت إلى حالة من القنوط واليأس، دفعت الكثير من الشباب إلى طرح العديد من التساؤلات المشروعة، من نوع:

{{ هل قَدَر الأجيال الصاعدة أن تتحمل وزر الإفلاس الذي تتخبط فيه الطبقة السياسية الحالية؟
{{ إلى متى تبقى البلاد والعباد رهينة هذا الانقسام القاتل بين فريقي 8 و14 آذار؟
{{ هل انشغال الأشقاء والأصدقاء عن أزمتنا، يوفّر مشروعية للطبقة السياسية للمراوحة في دوّامة المأزق الوطني الراهن؟
{{ لماذا تسكت الأكثرية الصامتة عن هذا العجز الفادح للطبقة السياسية الحالية، في صياغة الحلول التسووية المناسبة، لاستعادة التوازن المفقود، والعودة إلى الاستقرار المنشود؟
* * *
ولعل أكثر ما يُثير استغراب رجال الغد، أن إمكانية التوصّل إلى الحلول والتسويات، ما زالت ممكنة في بلد ما زال أهله يتمسكون بالعيش معاً، وتجمع بينهم تفاصيل الحياة اليومية، وما ينمو على ضفافها من علاقات اجتماعية، وأواصر مصاهرة وقربى، فضلاً عن تشابك الأدوار والمصالح، الأمر الذي يجب أن تترجمه القيادات السياسية في صيغ تعاون وتوافق، تؤدي إلى تنظيم الخلافات الطارئة منها والمزمنة، وتساعد على ضبط الحركة السياسية تحت سقف الحرص على مصلحة الوطن العليا، ووضعها قبل أي اعتبار طائفي أو حزبي أو فئوي، وإبعادها عن مؤثرات أي تدخل خارجي.

ليس عيباً هذا التعدّد السياسي والحزبي والطائفي في لبنان، والذي يُعتبر في صلب الألوان الطبيعية والمميزة للنظام السياسي الديمقراطي، ولكن العيب، كل العيب، أن تتقدّم الاعتبارات الحزبية أو الفئوية على مقتضيات الأمن والاستقرار في البلد.

وليس عيباً أن تكون لهذا الطرف اللبناني علاقات مع هذه الدولة أو تلك، وأن تكون لطرف آخر علاقات مع دول أخرى، ولكن العيب، كل العيب، أن تتحوّل تلك العلاقات إلى نوع من التحالفات المقدسة، التي لا تراعي التزامات الدولة اللبنانية تجاه الشرعية الدولية والمنظمات الإقليمية، وتضرب، بالتالي، المصالح الوطنية العليا بعرض الحائط !
* * *
وعلى عكس ما هو حاصل حالياً، حيث تنتظر الأطراف السياسية المحلية الانفراجات المحتملة بين العواصم الإقليمية والدولية، وخاصة على محور واشنطن – الرياض مع موسكو – طهران، للشروع بحلحلة العقد الداخلية فإن إمكانيات التوصّل إلى حلول داخلية، مقبولة من عواصم القرار الخارجي، تكمن في العودة إلى نصوص اتفاق الطائف، وقرارات الحوار الوطني، وخاصة بنود إعلان بعبدا، الذي نال موافقة إجماعية من كل الأطراف السياسية، بعد ثلاث جلسات حوارية حفلت بكثير من النقاشات والتعديلات.

ولا نخال أن ثمة موانع من الأشقاء والأصدقاء، أو حتى الحلفاء، تحول دون التوصّل إلى توافق بين اللبنانيين، يُعزز الاستقرار الهش، ويُعيد النبض إلى الحياة السياسية، ويفتح أبواب المعالجات للأزمات الاقتصادية والمعيشية الخانقة.

والكل يعلم أن الأطراف الإقليمية والدولية اختلفت وتصارعت حول ما يجري في المنطقة من أحداث وتغييرات، ولكنها تلاقت جميعها على ضرورة إبعاد لبنان عن النيران المشتعلة في أكثر من بلد في الإقليم!

ولولا ذهاب «حزب الله» للقتال في سوريا، لكانت ثمة فرصة ذهبية متاحة أمام الوطن الصغير، لإعلان حياد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية، وإبعاده عن سياسة المحاور، وتجنيبه الانعكاسات السلبية للتوترات والأزمات الإقليمية.. «ما عدا ما يتعلق بواجب التزام قرارات الشرعية الدولية، والإجماع العربي، والقضية الفلسطينية المحقة».. على نحو ما نص عليه إعلان بعبدا في البند الثاني عشر.

لقد أضاعت الطبقة السياسية، بخلافاتها الكيدية، وصراعاتها ذات الامتدادات الخارجية، نتائج الحرص الدولي والعربي على الاستقرار اللبناني، وبددت إمكانيات دعم الوطن المعذب لمواجهة أعباء نزوح مئات الألوف من الأخوة السوريين إلى أراضيه، وأمعنت في تمزيق نسيج الجبهة الداخلية، وبالغت في تعطيل المؤسسات الدستورية، من عرقلة تشكيل الحكومة إلى تعليق جلسات مجلس النواب، إلى العجز المتمادي عن سلوك طريق الحوار وصولاً إلى الحلول والتسويات المنشودة.
إنها طبقة سياسية عاجزة… إلى متى يتحمل اللبنانيون تبعات هذا العجز المخزي؟.. وماذا يجب أن يفعلوا؟

المصدر:
اللواء

خبر عاجل