#adsense

“حزب الله” ومعادلة “الشعب والجيش والمقاومة”.. ولا حكومة

حجم الخط

لم يعد هناك من شكّ بأن “المقاومة” أدارت مدافعها في وجه الشعوب شأنها شأن النظام السوري وإيران. فلا الشعب اللبناني يليق بـ”مقامها” ولا الشعب السوري يستحقّ أن يطالب بحقوقه ولا الشعب العربي يحقّ له أن يعترض على ما تقوم به تلك المقاومة. وحينما يستذكر “المقاومون” بعض “أمجادهم” ليس لشيء إلا لـ”تربيح جميلة” للشعب اللبناني ولقيادات قوى 14 آذار بأن “حزب الله” هو الذي ضحّى بأبنائه من أجل لبنان…

ومفهوم التضحية ممكن أن يتوافق مع تاريخ الحزب قبل العام 2005، قبل 7 أيار 2008 وقبل أن يتّهم عناصره باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري… لكنّ أحداً في لبنان لم يرغم هؤلاء على ارتكاب ما ارتكبوه، فإما هم من اختاروا ذلك وإما أن الحزب قد أرغمهم بعدما اشترى حرّيتهم بالمال الإيراني… يشهد على هذا الكلام الشاب الذي صوّر نفسه في سوريا معتذراً من أهله ومن أقربائه وجيرانه لأنه مات في سوريا، يبدو ذلك الشاب غير مقتنع بما قام به، ويحكي عن أحوال عائلته ووالده الذي كان يشقى لجلب لقمة العيش. طلب ذلك الشاب السماح لأنه ضحّى بحياته وعذّب قلب والدته، ثم مات خلال الحرب… من أجل مَن؟ هل يستحق بشّار الأسد أن يجنّد “حزب الله” شباب لبنان للدفاع عنه؟

ولهجة الحزب ترتفع نبرتها يوماً بعد يوم، من اتهامات الى استفزازات الى تخوين… والمستهدف قوى 14 آذار كالعادة. وعندما يصبح تكرار التصريحات من دون جدوى، وحين يتحوّل اتّجاه الحديث السياسي العام نحو تشكيل حكومة جديدة مع تحديد فترة معيّنة بالتزامن مع رفض قوى 14 آذار مشاركة “حزب الله” في سوريا، يتوجّه الحزب للضغط على الوتر الحسّاس، لضرب كل حكومة لا تكون الكلمة الأخيرة فيها لـ”حزب الله”، فيقيم الحزب مقارنة بين الحكومتين، حتى ينتهي الى مفاضلة تكون خلاصتها أن أي حكومة يتولى قيادتها “حزب الله” هي حكومة التضحية والوطنية والاستقرار، وبأن كل حكومة يكون على رأسها فرد من قوى 14 آذار تكون حكومة التبعية و”التنازل عن السيادة والكرامة والاستقلال الوطني” كما يقول رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد.

فقوى 14 آذار تثير غضب “حزب الله”، لأن الحزب لا يخاف إلا ممّن يدافعون عن الحقّ، وهم يعلمون أن الحكمة التي تتحلّى بها قيادات 14 آذار هي التي أبعدت لبنان عن حرب طائفية كانت محتّمة… ويتابع رعد أن “رئيس الحكومة السابق وبشخطة قلم تخلى عن 850 كلم2 من المياه الإقليمية، حتى لا يدخل في مشكلة مع الاسرائيليين، والآن الإسرائيليون يعتبرون أن من حقهم أن يقتربوا من تلك الحدود”، وهو لا يشكّك بأمر ما إنما يؤكّده متّهماً الرئيس سعد الحريري بأنه تنازل لإسرائيل عن حقّ من حقوق لبنان… وهل يحقّ أصلاً لرئيس الحكومة أن يتّخذ أي قرار مصيري كهذا منفرداً؟ أليس من المفترض أن يكون توقيعه مقروناً بتوقيع رئيس الجمهورية وموافقة مجلس الوزراء مجتمعاً؟ لهذا لا يحتاج الحريري الى مَن يدافع عمّا قامت به حكومته، لأنه يكفي أعضاءها المنتمين الى قوى 14 آذار أنهم وقفوا سدّاً منيعاً في وجه سياسات “حزب الله”. وليس كلام رعد عن “حقّ الإسرائيليين الاقتراب من الحدود” سوى تمهيد لإرادة ما لدى الحزب بإشعال حرب ضدّ إسرائيل، فتكون الحجة موجودة بأن العدوّ هو من اقترب من الحدود..

وحملة “حزب الله” التسويقية لتشويه صورة قوى 14 آذار لا تتوقّف هنا، على الرغم من أن اللبنانيين لم ينسوا أن الحكومة التي كان يرأسها الرئيس فؤاد السنيورة في العام 2006 دعمت “حزب الله” في حرب تموز ضدّ إسرائيل, ووقفت الى جانب الجنوبيين وأبناء الضاحية، ودفعت ثمن الدمار الذي استجرّه “حزب الله”… فكيف للحزب اليوم أن يتّهم قوى 14 آذار بأنهم “كانوا يأمرون بمصادرة الشاحنات التي كانت تنقل الصواريخ إلى المقاومين في الجنوب حتى أثناء حرب تموز”؟ ولكن السؤال هو: هل إن نقل السلاح في لبنان هو عمل قانوني؟ الجواب هو لا… ليس لأن قوى 14 آذار ترفض السلاح غير الشرعي وتدعم سلاح الجيش، إنما ما يؤكد عدم قانونيته هو الحزب نفسه الذي كان حينها ينقل السلاح الى الجنوب مروراً ببلدة الرميلة مثلاً، فكان يوقف الشاحنات على مدخل البلدة، ويدخل عناصره غرفة الكاميرات المزروعة على طول الطريق لتعطيل عملها ثمّ فكّها، والطلب من العامل السوري تركها على حالها، ثم يعودون في اليوم التالي صباحاً لإعادة توصيلها! فلو كان ما قاموا به قانونياً لما كانوا عملوا على إخفاء أرقام الشاحنات الحزبية وشكلها!

ويفجّر رعد قنبلة التصريحات المرتبطة بثلاثية الحكومة، مشترطاً هذه الثلاثية لتشكيل حكومة قائلاً: “إذا كان تشكيل الحكومة مرتبطاً بإسقاط معادلة الجيش والشعب والمقاومة فلينتظروا الحكومة طويلاً”… يبدو أن الحزب بلغ الحائط المسدود في سوريا، حتى عاد متفرّغاً لشؤون لبنان، منتظراً حوالى 8 أشهر بعد استقالة حكومته. فقد ظنّ الحزب أنه سيتمكن من قلب المعادلة في سوريا فيعود منتظراً ويشكل حكومته مرة ثانية ثم يدعو الى مؤتمر تأسيسي يبدّل معه وجه لبنان… لكن الواقع أنه فقد الأمل منذ ذلك وقرر أن يقول ذلك على الملأ منعاً لأي محاولة من المعنيَّين الاثنين وهما رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف تمام سلام لتشكيل أي حكومة لا تناسب “الأحجام التمثيلية”.

وفي غياب هذه المعادلة في البيان الوزاري يتساءل رعد “ماذا يبقى من لبنان، وماذا يبقى من الوحدة الوطنية في لبنان، وماذا يبقى من البيان الوزاري لتلك الحكومة التي يراد لها أن تتشكل؟”… وماذا ترك “حزب الله” للبنان غير الدمار والخراب واللااستقرار والانهيار الاقتصادي والفساد؟ وماذا سيبقى للبنان إن أكمل “حزب الله” منتهجاً سياسة التبعية لإيران والنظام السوري؟ كم من شاب سيطلب من أهله السماح بسبب خطأ لم يرتكبه إلا مرغماً؟ وماذا ترك “حزب الله” للبنان بعدما قضى على حكومة الوحدة الوطنية وها هو اليوم يطالب بها، إنما “على قياسه”؟ إن كان ليس هناك من مهرب من أن يضحّي الحزب، فليضحّي بما يملكه وليترك لبنان لشعبه وسوريا لشعبها…

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل