كتب طارق ترشيشي في صحيفة “الجمهورية”:
سُئل أحد الأقطاب السياسيين عن توصيفه الوضع السياسيّ السائد داخلياً وإقليمياً في هذه المرحلة، فأجاب ساخراً: «الأجواء ما تزال على حالها، فالانقشاع جيّد والرؤية سيّئة؟!»، لكنّه استدرك مؤكّداً أنّ هذا الوضع دخل مرحلة انتظار جديدة تمتدّ حتى نهاية السنة، وفي ذلك الحين ستظهر معالم المستقبل داخلياً وإقليمياً ودولياً.
مع نهاية السنة، يقول القطب، ستتضح صورة مستقبل الأزمة السورية في ضوء الجهد الاميركي والروسي المبذول، بعد تسوية ملف السلاح الكيماوي السوري، لعقد مؤتمر «جنيف -2» المقرّر مبدئياً منتصف الشهر المقبل في ظلّ تشكيك الموفد الاممي – العربي الاخضر الابراهيمي بإمكان عدم انعقاده في هذا الموعد.
كذلك يتوقع ان يتّضح مستقبل الموقف بين المملكة العربية السعودية والنظام السوري، إمّا إلى توافق يصبّ في إطار تعجيل الحل السياسي للأزمة السورية، وإمّا إلى تصعيد. فإذا حصل توافق سعودي – سوري، لا بدّ من ان يترجم هدوءاً على الجبهة السورية ينعكس حتماً هدوءاً على الجبهة الداخلية اللبنانية، وفي هذه الحال تنفتح آفاق الحلول للأزمة السورية عبر «جنيف ـ 2» في موازاة انفتاح الأزمة اللبنانية على الحلول ايضاً، فينطلق لبنان في خطى مطمئنة الى إنجاز استحقاقاته الحكومية والرئاسية والنيابية. أمّا إذا لم يحصل ذلك التوافق السعودي ـ السوري فإنّ الأزمتين اللبنانية والسورية قد تشهدان تصعيداً كبيراً، بحيث تطولان الى أمدٍ جديد غير محدّد.
ومن الآن وحتى نهاية السنة ايضاً ستتّضح معالم مستقبل الملف النووي الايراني في ضوء المفاوضات الجديدة المقرّرة بين ايران والدول الخمسة زائداً واحد، وهي مفاوضات مفتوحة على أفق حلّ يُتوقع ان تلعب الديبلوماسية الروسية دوراً بارزاً في تظهيره، خصوصاً في ضوء المناخات الايجابية التي دخلتها العلاقات الاميركية ـ الايرانية في الآونة الاخيرة نتيجة الاتصال الهاتفي الذي اجراه الرئيس الاميركي باراك اوباما بنظيره الايراني الشيخ حسن روحاني على هامش وجود الاخير في نيويورك. كذلك سيتضح مستقبل العلاقة بين الرياض وطهران في ضوء ما اعلنته العاصمة الايرانية من وجود لجان مشتركة تعمل بين البلدين لمعالجة مجموعة من الملفات العالقة، وذلك على أثر تأجيل الرئيس الايراني الاسبوع الماضي حجَّه الديني والسياسي الى المملكة العربية السعودية، ما أخّر لقاءه الذي كان منتظراً مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز الى موعد لاحق، في الوقت الذي رحّبت الرياض بلسان وزير خارجيتها الامير سعود الفيصل بالانفتاح الايراني عليها وعلى بقية دول الخليج العربية.
وفي انتظار نهاية السنة، يبدو المشهد الداخلي اللبناني كالآتي:
أوّلاً: دوران الاستحقاق الحكومي في حلقة مفرغة في ظلّ عجز المعنيين به عن ابتكار أو إجتراح تشكيلة وزارية تحظى بقبول الجميع، وما يُطرح من صيغ في هذا المجال لا يعدو كونه إمراراً للوقت، خصوصاً بعد سقوط الآمال التي عُلّقت على زيارة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان للسعودية، والتي أُرجئت الى أجل غير مسمّى، ثمّ استتبعها تأجيل زيارتيه الى كلّ من دولة الامارات العربية المتحدة والكويت، وهو تأجيل قيل إنّ من بين أسبابه بعض الأخطاء البروتوكولية، إضافةً الى اسباب أخرى تتّصل بالتطورات الاقليمية والدولية التي جاءت غير متلائمة مع توجّهات وقرارت بعض الدول الخليجية، أو هي تمّت بمعزل عنها.
وفي السياق نفسه فإنّ المعنيين بتأليف الحكومة لم تتوافر لهم بعد الاسباب والمقوّمات والإمكانات الكافية التي تمكّنهم من تكوين تشكيلة وزارية محدّدة، على رغم انتفاء «الفيتوات» من هنا وهناك، والإقرار بوجوب ان تكون الحكومة العتيدة «حكومة جامعة» لكلّ المكوّنات السياسية، بحيث يتمثّل فيها الجميع. وقيل في هذا السياق إنّ الرئيس المكلف تمام سلام كان ينوي الإقدام على إعداد تشكيلة وزارية إثر عودة سليمان من نيويورك، ولكنّه اصطدم بعقبات جديدة، ما جعله يستمرّ في الإنتظار، خصوصاً بعدما أبلغه رئيس الجمهورية أنّه لا يستطيع السير إلّا بـ»حكومة جامعة»، وذلك في ضوء ما توافر لديه من معطيات اقليمية ودولية من خلال اللقاءات والاتصالات التي أجراها على هامش مشاركته في أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة في العاصمة الأممية.
على أنّ فريقاً من السياسيين بات لا يستبعد احتمال بقاء البلاد في ظلّ حكومة تصريف الاعمال الى حين تبلور التسويات التي بوشر بناؤها على اساس «التسوية الكبرى» الاميركية ـ الروسية التي استُبعدت في ضوئها الضربة العسكرية التي كانت الولايات المتحدة الاميركية تنوي توجيهها إلى النظام السوري.
وفيما يتحدّث البعض عن أنّ سلام كان ولا يزال الخيار المطروح لتأليف الحكومة في ضوء التكليف الجامع الذي حظي به، فإنّ بعض السياسيين بدأ يشكّك ويتحدّث عن أربعة احتمالات:
ـ الأوّل، توافق الجميع على حكومة تتولّى بالدرجة الأولى إدارة الاستحقاق الرئاسي.
ـ الثاني، إستمرار حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي تصرّف الاعمال وتتولّى بدورها الإشراف على ذلك الاستحقاق.
ـ الثالث، إعادة تكليف ميقاتي تأليف حكومة جديدة في حال إقدام سلام على الاعتذار، وهو أمر مستبعد على ما يبدو، بحيث تمرّر حكومته المرحلة الانتقالية التي تنتهي بانتهاء ولاية رئيس الجمهورية. والذين يتحدّثون عن هذا الاحتمال يستدلّون على ذلك من خلال ما سُرّب قبل ايّام على لسان «مصدر في قوى 8 آذار» من انّ الحكومة الميقانية باقية حتى نهاية عهد سليمان وأنّه على توافق مع حزب الله وقد اجتمع 17 مرة مع الأمين العام للحزب السيّد حسن نصرالله، الامر الذي نفاه مكتب ميقاتي. وقال هؤلاء إنّ هذه التسريبات التي اثارت ضجّة كبيرة في الوسط السياسي وشغلت فريق 8 آذار الذي استغربها بشدّة، إنّما أُريدَ منها حرق خيار ميقاتي تعويماً أو تأليف حكومة جديدة، وبالتالي الإيقاع بين رئيس مجلس النواب نبيه بري وبين حلفائه، وبينه وبين دمشق من خلال اعتبار مبادرته تماهياً على ما بعد الضربة الاميركية التي كانت مقرّرة لسوريا، وملاقاة لرهانات فريق 14 آذار على هذه الضربة.
ـ الرابع، تولّي الرئيس سعد الحريري رئاسة الحكومة الجديدة، بحيث تكون هذه «حكومة التسوية» بمعنى انّها تكون نتاج «التسوية الكبرى» الاميركية الروسية التي لا تشمل الأزمة السورية فقط، وإنما تشمل ايضاً كلّ الأزمات الاقليمية، ومن بينها الملف النووي الايراني والعلاقات السعودية – الايرانية والقضية الفلسطينية ولبنان وغيره. وفي انتظار نضوج عناصر هذه التسوية تستمرّ حكومة ميقاتي في تصريف الاعمال الى ان تخلفها حكومة التسوية الموعودة.
ولعلّ ما يشير الى الطريق المسدود الذي وصلت اليه المشاورات والمحاولات لتأليف الحكومة، هو انّ بعض المعنيين المباشرين بهذا الملف بدأوا يسألون كعامة السياسيين والمواطنين: ماذا يمكن الرئيس المكلّف ان يفعل؟ وكأنّهم «غريبون عن أورشليم» ولا علاقة لهم بهذا الملف الذي يندرج ضمن نطاق صلاحيتهم المباشرة.
على أنّ عدداً كبيراً من أركان الطبقة السياسية يتوقع أن يُفتح ملف استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية على مصراعيه بدءاً من مطلع السنة الجديدة، حيث تكون البلاد على بعد نحو 5 أشهر من موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية في 29 أيار المقبل، علماً أنّ هذا الاستحقاق قد فُتح في الكواليس السياسية منذ الآن وبدأ التداول في كثير من الخيارات، من التمديد الى انتخاب رئيس جديد، وقيل إنّ بعض السياسيين بدأوا يسوّقون أسماء بعض المرشّحين في هذا الاتجاه أو ذاك، وهي أسماء تتمّ ملاءمتها مع المتغيّرات الاقليمية والدولية الجديدة على قاعدة انّ خيار التمديد ليس متقدّماً على خيار الانتخاب. وفيما ينقل عن سليمان ما يشير علناً وضمناً إلى انّه ليس متحمّساً للتمديد، يرشح من إدارات بعض العواصم الكبرى انّ المسؤولين فيها يحبّذون انتخاب رئيس جديد على قاعدة احترام «الاستحقاقات الديموقراطية» وإنجازها في مواعيدها.
وإلى كلّ ذلك يبدو أنّ الافرقاء السياسيين في 8 و14 آذار قد دخلوا في فترة مراجعة حسابات يملأون بها مرحلة الانتظار حتى مطلع السنة الجديدة، وذلك على وقع التطوّرات المتلاحقة دولياً وإقليمياً، وتلك التي تشهدها الأزمة السورية في الميدان وعلى الصعيدين السياسي والديبلوماسي، وقد كان اللافت في هذا المضمار الإشادة الاميركية بالتزام النظام القرار الدولي بتدمير ترسانته الكيماوية، على أثر بدء فريق المفتشين الامميين بهذا التدمير عمليّاً، وهي إشادة تلاقي تفسيرات كثيرة حول خلفياتها وأبعادها بالنسبة الى مستقبل النظام السوري.
وفي هذا السياق يؤكّد قطب سياسيّ كبير أنّ إلتزام دمشق تدمير سلاحها الكيماوي هو إلتزام جدّي ولا شبهة فيه، ومبنيّ في جانب منه على مناخات التسوية الاميركية ـ الروسية، خلافاً لتشكيك هذا الطرف أو ذاك، وإنّ الأيّام ستثبت ذلك.