مسيحيّو طرابلس يغادرون فمن يقرع أجراس العودة؟

كتبت مرلين وهبة في صحيفة “الجمهورية”:

هجرة المسيحيين في الشرق الأوسط شكّلت دوماً أحد الهموم الرئيسة للكنائس المسيحيّة، وهذه الهجرة مزمنة وليست مستجدّة. ومن هنا برز خوف الكنيسة وأبنائها في ضوء ما عكسته الثورات من ثقلٍ إضافيّ على الكنيسة أولاً، وهو ليس الوحيد! ألا وهو الهجرة المستمرّة للمسيحيّين. أمّا بعض الروايات غير الثابتة فقد ذكرت أنّ بطرس الرسول هو مَن أسّس كنائس صور وصيدا وطرابلس، وقد عرفت المسيحيّة في طرابلس – تلك المدينة التي انشأها الفينيقيون على ساحل البحر- المصاعبَ التي اختبرتها المسيحية عموماً في الدولة الرومانيّة من اضطهاد في العهود الأولى.

في إطار متابعتها لهجرة المسيحيّين المستمرّة قصدت “الجمهورية” عاصمة الشمال بعدما كثرت الأحاديث في الآونة الأخيرة عن إعادة تموضع مسيحيّ لأبناء طرابلس ومنطقتها، وبعدما كشفت نخبة من سكان المدينة وأبنائها عن نيّة بعض العائلات المسيحيّة الانتقال الى المناطق المجاورة: ساحلاً أو جبلاً… بعد تبصّرهم للمشهد العامّ للمدينة ديموغرافيّاً والخوف على مستقبلهم في ظلّ التردّي القائم على جميع المستويات… الأمنيّة… والاقتصاديّة… والاجتماعيّة.

خوف مسيحي من الغرباء

وعن التردّي الطائفيّ الذي بدأ يظهر، تخبرنا السيدة ن. خوري أنّها قرّرت مغادرة مدينتها.

أما سبب اتّخاذها هذا القرار فتجيب: انها نشأت في ظلّ عائلة مسيحيّة متديّنة ويقع منزلها قرب الكنائس المختلطة التي تحوط بمدينة الميناء، “وعلى رغم تداعيات أحداث الثمانينيات صمدنا ولم نترك المدينة”. وتضيف: “مع اشتداد الثورة السوريّة تزايدت أعداد النازحين وباتت تشغل غالبيّة المحال والبيوت في الميناء، إلّا إنّ الخوف اليوم ليس من هؤلاء النسوة والأولاد الذين لا حول لهم ولا قوّة، إنما من الوجوه الغريبة التي تستوقفنا في ظلّ غياب مقلق للأمن”.

وتضيف السيدة خوري انّ “العائلات التي لم تنتقل الى مناطق أكثر أمانًا ولكنّها تتمنّى! هي تلك التي لا يستطيع أفرادها بيع بيوتهم والمغادرة بسبب الضائقة الماديّة”.

وفي هذا الإطار يحدّثنا الشمّاس ابراهيم دربلي الحائز على الدراسات العليا المسيحية ـ الإسلامية ويخدم في كاتدرائية القديس جاورجيوس في طرابلس. انّ “الطائفة الأرثوذكسية تقلّصت من 1100 عائلة إلى 500 منذ التسعينيات حتى الـ 2013”. ويكشف انّ “في بداية التسعينيات كان في طرابلس البلدة نحو 1100 عائلة أرثوذكسية، وحاليّا تقلّص عددها الى نحو 500 عائلة”. ويشير الى انّ “في القرن 19 إزداد عدد العائلات الأرثوذكسية في طرابلس زيادة مهولة نجمت من أنّ الارثوذكسيّين قصدوا المدينة من المناطق المجاورة (الكورة وعكار على سبيل المثال) من أجل العمل. لأنّ المدن في القرن الـ20 هي التي كانت تستقطب اليد العاملة، أمّا الآن فهم يغادرونها نتيجة الوضع الأمني والاقتصادي المتدهور”. ويضيف: “طرابلس اليوم ليست مرتعاً مريحاً لسكّانها عموماً فكيف بالحري المسيحي الذي يقطن فيها؟ ولأنه مسيحي يشعر أنه مستهدف أكثر”.

ويقول: “في الأحداث الأخيرة التي شهدتها طرابلس، غادرت بعض العوائل المسيحيّة الطرابلسيّة القديمة العهد إلى مناطق قريبة مثل ضهر العين والكورة وغيرها. أمّا المسيحيّون الأرثوذكس الذين يقطنون منطقة الزاهريّة العتيقة والقديمة والمعروفة بغالبيّتها السنّية الفقيرة، ومن هؤلاء نسبة كبيرة لا تشعر بالأمان قد غادرت قبل غيرها”.

ويشير دربلي الى أن “المسيحي لا يخاف من المسلم السنيّ الذي أقام وترعرع معه في هذه المنطقة منذ أمد بعيد، بل المشكلة هي الفقر ونتائجه. وفي المقابل فإنّ مسلمي طرابلس يشكون كذلك من قلّة الأمن ويردّدون دوماً: نحن نعيش من أبناء زغرتا وأبناء الكورة الّذين يقصدون طرابلس للتسوّق والتبضّع منذ زمن”.

ويضيف: “إن المسيحيّين في الزاهرية محاطون بطبقة اجتماعيّة سنّية تعاني الفقرَ والفلتانَ الأمني على حدّ سواء، وهؤلاء لن يتردّدوا في مغادرة البلدة حين تسمح لهم الظّروف، وغالبيتهم ينتقلون الى مجدليا (قضاء زغرتا) وضهر العين ذات الضغط السكاني المسيحيّ القادم من الميناء”.

يذكر الكاتب أنطوان عبد النور المصاعب التي تواجه عملية تحديد الأصول التي ينتمي إليها سكان طرابلس، ويشير الى انّ لا بد من أن يكون بعض أهلها قد عاد الى السكن فيها، بعدما عاود المماليك إعمارها في موقعها الجديد حول الجامع المنصوري. في حين يذكر الأرثوذكس أنهم قدموا من المناطق المحيطة بالمدينة، اما من منطقة الكورة وأما من وادي النصارى.

فالمعطيات الإحصائية عن القرن السادس عشر تشير الى أنّ الذكور البالغين من النصارى الذين كانوا يقطنون الكورة قد شكلوا 1545 نسمة من أصل 1892 نسمة في حين بلغ عدد الذكور البالغين من النصارى في طرابلس 297 نسمة من اصل 1570 نسمة، فتكون الكورة قد شكلت خزاناً بشرياً كان رافداً لأرثوذكس طرابلس.

وفي السياق عينه حصر الكاتب عبدالله نوفل في كتابه خلال فترة الانتداب الفرنسي أصول عائلات العلماء الأرثوذكس بمصدرين: اما حوراني، واما يوناني. هذا الحصر يعني أنّ تلك العائلات النازحة الى المدينة قد حملت في تراثها الإرث الثقافي ونقلته الى أولادها، او أنّ بعضها قد نسب لنفسه أصولاً لا تمتّ اليه بصلة، كالأصل العربي مثلاً لتماشي التيار القومي العربي الذي قويت حدّته في الفترة التي خطّ فيها الكاتب مؤلفه.

الإرساليات تغادر طرابلس

في الثمانينيات، إتخذت غالبيّة المدارس الكاثوليكيّة قراراً بمغادرة طرابلس والإنتقال الى ضهر العين والضواحي (الكورة) المصنّفة مسيحية نوعاً ما، نسبة الى المناطق الإسلاميّة التي كانت قد أُنشئت فيها تلك المدارس أصلاً: أي مدارس الليسيه الفرنسية، دار النور، الفرير، الآباء الكرمليّون، الراهبات، والتي شُيّدتْ صروحها في عمق المدينة وعلى خطوطها السّاخنة، أي في منطقة الزاهريّة، فباعت مبانيها واشترت عقارات في المناطق القريبة نسبيّاً من طرابلس للمحافظة على تلامذتها، وبالتالي تركت عوائل هؤلاء التلامذة بيوتها وسكنت قرب مدارس أبنائها.

إرساليّات جديدة تغادر اليوم!

المدارس التي لم تغادر في تلك الحقبة تفكّر اليوم بالالتحاق بسابقاتها ومنها: المدرسة الإنجيليّة (الأميركان) العريقة التي خرّجت نسبة كبيرة من نخبة المجتمع الطرابلسي، وها هي اليوم تفكر بالانتقال من طرابلس وشراء مبنى في الكورة، ومدرسة الروم الشهيرة التي شُيد مبناها في الزاهريّة تفاوض اليوم لبيعه وبناء معهد جديد في الضواحي أيضاً، إلّا أنّ الإدارة والمعنيين ما زالوا في إطار المفاوضات لتحديد مكان الانتقال والبناء الجديد. ويوضّح دربلي “إنّ مباني هذه الصروح شيّدت في عمق البلدة الطرابلسيّة الإسلاميّة ، وهي تشعر بأنها في خطر اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، ولذلك اتخذت هذا القرار”.

ويقول دربلي إنّ “صديقاً له وهو أب روحي غالباً ما كان يأتي الى طرابلس لتمضية عطلة نهاية الأسبوع قال له منذ فترة “إنها المرة الأولى يا صديقي التي أشعر فيها بالخوف وأنا أتجوّل في أحياء طرابلس بلباسي الكنسي”. ويكشف أن “كنيسةً للسريان الأورثوذكس تقع قبالة الكاتدرائيّة التي يخدم فيها هي اليوم مقفلة”. ويشيد بـ”الجيش اللبناني الذي يواظب على حماية الكنائس أثناء الاحتفالات وايام الآحاد”.

أما بالنسبة الى مسيحيّي الطوائف الأخرى، خصوصاً في منطقة الميناء المعروفة بهدوئها الأمني وبرقيّها نسبةً الى طرابلس المدينة، فيثني الشماس دربلي ومعه الدكتور جان توما على “جهود رئيس دير الرهبانية للآباء الأنطونيين ومدرستها الأب شكري الخوري” الذي هو في صدد تشييد صرح جديد قرب المدرسة الملاصقة لكنيسة السيدة المارونية وهي كنيسة الرعيّة الوحيدة في الميناء وهذه الرهبنة قد ابتاعت أخيراً مبنى سينما قديم بغية تكبير الصرح وتجديده وإعادة ترميمه.

ويقول دربلي: “في ظلّ هذا الوضع الأمني المحيّر والوضع المسيحي المقلق نستغرب أن تتّخذ الرهبانيّة الأنطونيّة قراراً بالشراء في الميناء بغية توسيع مدارسها ومعالمها”. واذ أثنى على هذا العمل، قال: “قد يكون الأب الجليل والرهبنة الأنطونية الكريمة رأت شيئاً مستقبلياً، لم نره نحن! فهل ترى بقية الإرساليات التي لم تغادر بعد ما لم ترَه الإرساليات المسيحية الأخرى حين غادرت؟”.

رعية سيّدة النجاة

وعن هذا الموضوع يوضح الأب شكري خوري: “لا أعلم ما هي سياسات الإرساليّات الأخرى، أمّا بالنّسبة الينا والى الرهبنة الأنطونيّة فنعتبر أنّنا مجبولون بتراب هذا الوطن وإيماناً منّا بلبنان والعيش المشترك وأهميّة الحفاظ على هذه الفسيفساء في المدينة، وخبرتنا مع إخوتنا المسلمين المعتدلين الذين يطالبون بوجودنا وثباتنا ويسجلّون أبناءهم في مدارسنا. والسّبيل الوحيد لتربية الأجيال القادمة على أهميّة هذا العيش المشترك هو داخل هذه المدارس، خصوصاً انّ الطوائف تعيد تموضعها. لذا نحن وجدنا أنّ هذا التّموضع الحقيقيّ للّبنانيّ هو في أن يتعايش مع أخيه اللبنانيّ المسلم المعتدل والمختلف عنه، وأن لا يكون هذا التّموضع بإقامة المسيحيّ في جبل لبنان والمسلم في طرابلس”.

ويضيف: “هناك ما يعادل 25% من المسيحيين في مدرستنا في الميناء والتي يبلغ عدد تلامذتها 650 تلميذاً، ومقارنة بالمسيحييّن الّذين يعدّون 5% في الميناء فهي نسبة جيّدة. أمّا بالنّسبة الى عدد الموارنة فيها فهو نحو 150 بيتًا ونحو 400 نسمة. وفي النهاية الرهبانيّة ترسّخ هذا الوجود من خلال بناء الحجر مع انّه ليس أهمّ من بناء البشر، و يجب أن لا ننسى أنّنا أصليّون في هذه المدينة ونحن نسيجها منذ الأساس. لذلك نحن بتكبير المدرسة وإعادة تأهيلها نعطي علامة رجاء للمهاجرين للعودة وبناء وطنهم”.

ويضيف الخوري: “بالتّأكيد نخاف التجوّل في الّليل أكثر من الماضي، خصوصاً في ظلّ كثافة النّزوح السوري المرعبة الّتي أضافت ثقلاً في طرابلس الهشّة”. ويختم: “هناك موجة لا بدّ من أن تنتهي يوماً ما، وبناؤنا الجديد علامة رجاء لكلّ المسيحيّين الّذين عادوا أو يفكّرون بالمغادرة للرّجوع”.

ويحدثنا الكاتب والصحافي الدكتور جان توما، وهو عضو مجلس بلدية الميناء وله كتب عدّة في هذا المضمار: “أهل الميناء على اختلاف اطيافهم تاريخياً تهجّروا معاً وعادوا معاً تجمعهم وحدة حياة، على الأصعدة الاجتماعية والثقافية والرياضية والبلدية كلها، فهم يصرّون مثلاً على انتخاب مجلس بلدي متمايز بمعدل 14 عضواً سنياً و7 مسيحيين، وحفظوا نيابة الرئيس للأرثوذكسي، كذلك على عدد من المختارين المسيحيّين”. ويضيف: “ليس هناك من نزوح مسيحي من الميناء، بل هناك نزوح وطني، اذا صحّ التعبير، الى حيث تتوافر فرص العمل”.

رعية مار مخايل الزاهرية

أمّا راعي كنيسة مار مخايل في الزّاهريّة الأب جوزف غبش، وهي المنطقة الأكثر سخونة في طرابلس، فلم يُجارِ فرح في حديثه عن القلق المسيحيّ والهجرة المسيحيّة، فإعتبر أنّ “غالبيّة مسيحيّيها غادروا بعد الأحداث الأخيرة إلى الجبال و السّواحل ولم يعودوا بعد، وقد ناشدهم العودة في عيد مار مخايل الذي يصادف في 8 تشرين الثاني المقبل”. ويشير الى “أنّ الظّهور المسلّح الكثيف في الزاهريّة هو الّذي دفعهم إلى المغادرة”، كاشفًا أن “ليس صحيحا أنّ الاعتداء على محالّ الكحول التّابعة للمسيحيّين في المنطقة كان وحده سبب المغادرة، إذ تعرّضت المحلاّت التّجاريّة لأبناء الرعيّة للإعتداء ايضاً ولكنهم لم يعلنوا ذلك لخوفهم من الظّهور الإعلاميّ”. وفي السّياق عينه يقول غبش “إنّ القنبلة الصّوتيّة الّتي أُلقيت قبل ثّلاثة أشهر على كنيسة الرعية ليست مصادفة”، مشيراً الى “أنّ كنائس الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس في الزّاهريّة ليست بأفضل حال إذ واجهت مشكلات كثيرة”. وأشاد بـ”الخطّة الأمنيّة الجديدة للمدينة”، راجيًا أن تكون “خطوة تشجيعيّة لأبنائها المسيحيّين لكي يعودوا”.

لا يهمنا العدد…

في رعية مار مارون طرابلس يحدّثنا سكرتير المطرانيّة المارونيّة في طرابلس الأب جوزف فرح عن رعيّته في مار مارون البالغ عددها 400 عائلة تقريباً، ويقول لـ”الجمهوريّة” إنّ “لا أرقام محدّدة لعدد الموارنة الّذين غادروا، لكن ما أستطيع تأكيده هو أنّ نسبة هجرة الموارنة من طرابلس كانت تزايدت جداً منذ بداية الحرب الّلبنانيّة، ولكن منذ نحو 10 سنوات وحتّى الآن لم تعد هناك هجرة مسيحيّة من طرابلس والسبب أنّه لم يعد هناك شبان مسيحيّون موارنة حتى يغادروا، والباقون هم العجزة والمسنّون من أبناء المدينة الأصليين”.

ويشير الى “أنّ العوائل الطرابلسيّة السنّية تخاف هي أيضاً من الوجوه الجديدة، الغريبة والمتعصّبة، الّتي تفكّر بعكس منطق الدولة والحريّات واحترام الآخر وهذا من صميم مدينة طرابلس. لدينا مسلمون في المدينة يحبّوننا، وفي اليوم الّذي لا يُدَقّ جرس الكنيسة صباحاً لعطلٍ ما يتّصلون بنا لسؤالنا: لماذا لم تدقّوا الجرس اليوم؟”.

وعن العدد الحالي لأبناء الرعية في طرابلس يقول الأب فرح: “لا يهمّنا العدد بل يهمّنا أن نكون خميرة وعلامة فارقة أينما وجدنا”.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل