#adsense

الأسد و«داعش» وجهان لعملة واحدة

حجم الخط

 

صَحيح أنّه لا يمكن تقدير المدَّة التي سيستغرقها صوغ برنامج المفاوضات المرتقبة بين الأميركيين والإيرانيين. لكن من خلال تتبّع ردّات الفعل والتعليقات الأميركية، يتبيّن للجميع أنّ مساراً جدّياً قد بدأ بين الطرفين، وأنّ مواجهات سياسية وغير سياسية ستحصل، قبل الإعلان رسمياً عن برنامجها.

تؤكّد مصادر أميركية مطّلعة أنه بعد إلتزام دمشق الحَرفي بتطبيق برنامج تفكيك أسلحتها الكيماوية، لم تعد الأولوية للعملية السياسية التي ستضع حدّاً للحرب.

فالإتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأميركي باراك أوباما بنظيره الإيراني حسن روحاني، أعلن رسمياً إنتقال ترابط الملفات وأولويتها الى الملفّ النووي الإيراني، وبالتالي فإنّ تحقيق تقدّم ما في ملفات المنطقة بات مرهوناً بتحقيق تقدّم فيه. وينسحب الأمر أيضاً على ملفّ الأزمة السورية والمحادثات المؤجلة بين طهران والرياض، وعلى مستقبل النزاع وأحجام القوى الإقليمية في المنطقة، وموقع تركيا والقضية الكردية، والمفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية.

وتتوقّع المصادر أن تطول مرحلة الشدّ والجذب حتى نضوج الظروف الملائمة للحديث عن إنفراجات فعلية في هذه الملفّات، وأن تشهد إيران نزاعاً تتداخل فيه عوامل دولية، في انتظار تحوّل المسار الذي أعلنه روحاني خياراً وازناً ضمن المؤسسة الإيرانية الحاكمة. فالإيرانيون مضطرّون الى خوض سجال داخلي في سبيل الوصول الى اللحظة التي يتقرّر فيها المسار المأمول. وقد لا تكون الأمور سريعة، حسب رغبة جناح روحاني، بل ستأخذ مسارات خطرة، لا يمكن تقدير تبعاتها.

وتضيف المصادر أنّ تشكيك الأخضر الإبراهيمي بانعقاد مؤتمر “جنيف ـ 2″، مردّه الى عدم جهوزية العملية السياسية المحيطة به. وبعدما بات الحديث عن مشاركة إيران في أعماله أمراً وارداً، فإنّ تحقيق ذلك مرتبط بما يمكن أن تنجزه السعودية في ملفاتها الإقليمية، وعلاقتها مع طهران وأنقرة ودول المنطقة، خصوصاً بدول “الربيع العربي”. وتعتقد المصادر أنّ التحضيرات لعقد المؤتمر ستشهد مراوحة سياسية، خصوصاً أنّ ضباباً كثيفاً يلفّ مواقف الأطراف المعنيين. وتوضح المصادر أنّ غزارة الإطلالات الإعلامية للرئيس بشّار الأسد، فضلاً عن طرحه عدداً من المناورات السياسية حول مستقبل بقائه على رأس النظام، سواء من خلال التمديد او التجديد أو عبر تأجيل الإنتخابات الرئاسية، لا يعكس حقيقة النقاشات الدائرة بين القوى الكبرى ومع الإيرانيين أيضاً. فحتى اللحظة، لم يتغيّر الموقف الأميركي من مستقبل الأسد على رغم الإشادة بالتزامه الدقيق في التخلّص من الأسلحة الكيماوية، والبحث جار عن طبيعة التحضير للمرحلة الإنتقالية العتيدة. وموافقة الإيرانيين على البحث في مستقبله باتت مرهونة بما يمكن أن يتحقق في مفاوضاتها الخاصة مع الأميركيين تحديداً. وكلّ الأوهام التي يسعى رأس النظام السوري ومؤيدوه الى إشاعتها عن مستقبل معركته العسكرية، ليست إلّا إمعاناً إنتحارياً من دون أفق.

وتشكّك مصادر عسكرية أميركية في التهديدات التي تُوزّع في الإتجاهات كافة عن قرب تحقيق النظام إنجازات عسكرية تقلب الأمور مرة واحدة والى الأبد في ميزان القوى الميداني. حتى الحديث عن معركة حلب واحتمال تولّي “حزب الله” دوراً رئيسياً فيها، يفتقر الى الدقّة والواقعية العسكرية نظراً الى الكلفة التي يمكن أن تترتّب عنها. فإذا كان هذا النظام قد نفد من الضربة العسكرية مقابل تخلّيه عن سلاحه الكيماوي، فكيف يمكن تصوّر الموافقة على تحقيق إنقلاب ميداني في ظلّ محيط إقليمي شديد الحساسية من إمكان عودته الى سابق قوّته؟ واذا كانت كلفة الحرب السورية من بين الأسباب الرئيسية التي تضغط على الإيرانيين لإرغامهم على الجلوس الى المفاوضات، فكيف يُسمح باستمرار النزف السوري، تحت أوهام الأسد الذي يعتبر أن جلوسه على هذه الطاولة مرهون “بدحره الإرهابيين”؟

لكن، ما لا يمكن إغفاله هو أنّ إعادة التوازن المطلوبة في هذه المرحلة هي للأوضاع الميدانية داخل مناطق نفوذ “المعارضات” السورية بين القوى المتطرّفة والمعتدلة. فحتى الساعة، لم تترجم الإدارة الأميركية قرارها بنقل ملفّ علاقتها مع المعارضة من الإستخبارات المركزية الى وزارة الدفاع. لكنّ الحديث مزدهر عن ضرورة قلب الطاولة، اذا ما أُريد الحفاظ على حدّ أدنى من الكيان السوري، شرط إستبعاد المتطرّفين منه، من الأسد الى “داعش” و”النصرة”.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل