يا نفس ما هذا الأسى والكَدَر قد وقع الإثم وضاع الحذر
عمر الخيام
في سفر الرؤيا يفسِّر النبي دانيال الأحلام التي يراها نبوخذنصر في منامه. لا شيء في تلك الأحلام عن أوروبا مثلاً، ولا في الرؤيا، وإنما تنحصر الرؤيا في مصائر “شعب الله” و”الشعب المقدس”. في القرن السادس عشر كان عالم نوستراداموس قد اتَّسع، ولذلك تشمل التوقعات حريقاً هائلاً سوف يقع في لندن، وظهور رجل من عائلة فقيرة في النمسا يمتدّ حكمه إلى الشرق (هتلر)، بل يتراءى للطبيب دو نسترام، عالِم باسم باستور سوف يخترع علاجاً للأوبئة. تتميَّز نبوءات النبي دانيال والدكتور دو نسترام بالأناقة اللغوية. الأول، بالأسلوب الذي كُتبت به معظم فصول التوراة، والثاني يملك من الوقت والأناة ما يمكِّنه من وضع النبوءات شعراً، على طريقة عالم آخر، ظهَر قبل بضعة قرون في نيسابور، وعُرف بالخيّام، صاحب الرباعيات.
كلاهما رجل عِلم، إضافة إلى أن الخيّام رجل فَلَك أيضاً. فلماذا غلب التشاؤم على رباعيات الفرنسي ولم يرَ سوى الكوارث بينما أوصى الفارسي بالراح وطول السهر؟ لأن عصر نوستراداموس، مثل زمن سفر الرؤيا، كان كارثياً. كان مأخوذاً بمشاهد “الموت الأسود” فرأى حروباً ومجاعات وموتاً كثيراً، ولم يرَ سفينة تذهب إلى القمر، وحبَّة أسبيرين تزيل آلام الصداع النصفي في لحظات وتُبعد “الشقيقة” غير المرئية التي تنافسنا على رأسنا، ولا رأى قلوباً تُزرع في غير أجسادها، وأوبئة – منها الموت الأسود – تُزال بتلقيح بسيط.
يذهب الضعفاء كأفراد إلى العرَّافين والمبصِّرين، طالبين ما يُطلب في الأحوال العادية من الله وحده، قراءة الغيب وتوسُّل التطمين في أمر مُقلق. عندما أكون في السيارة أصغي إلى برامج برَّاجيِّة تُطرح فيها الأسئلة وتُعطى الأجوبة على الهواء. البرَّاج لم يرَ حتى وجه السائل. لكي يقرأ في تعابيره ومصيره. غالباً ما يكون السؤال حول نتيجة ينتظرها أحد أفراد العائلة، في العمل أو في الصحَّة أو في علاقة عاطفية. يتحدث صاحب – أو صاحبة – البرنامج في صورة قاطعة، حاسمة، مؤكِّدة، في مصائر الناس، وبعد ذلك تنصرف الإذاعة إلى بث أغاني هيفاء “بوس الواوا، خللي الواوا يسح”…
مَن المسؤول: الإذاعة أم صاحب البرنامج، أم ذلك الإنسان الذي قرر أن يبني جزءاً من حياته على جواب إذاعي؟ لسنا “الشعب الوحيد” الذي يعيش في عصر المنجِّمين، لكننا الشعب الذي يعيش في قلق توتُّرهم واستخفافهم بمن استخفوا بأنفسهم.
ليلى عبداللطيف لا تكتفي بنبوءة أو اثنتين، أو بجردة سنوية لتعميم الخوف والقلق، ما زاد منهما وما نقص، في أعياد رأس السنة، بل هي تقدِّم برنامج عمل شهرياً لحياة الناس، ولا تطلّ من إذاعة ترفيهية تسلّي السابلة في ساحات الازدحام وظلام السير، بل تطلّ من “مؤسسة” حائزة ثقة المتابعين مذ كانت القناة الأهلية الأولى في البلد.
تُعطى السيدة عبداللطيف صِفَة “الظهور والتجلِّي”، وتكون لها مُحاورة مضيفة تليق بهول المناسبة وقدسيَّة التنبؤ وقراءة الغيب. تلقي السيدة الضيفة الكلام على سامعيها بصفتها ناطقة باسم “العناية الإلهية” ومطَّلعة سلفاً على قرارات الخالق في خَلقِه. المخاليق هنا هم هذا الجمهور المنقول، أو المتنقِّل طوعاً، بين الآتي الذي يهدّده به السياسيون، والأعظم الذي يَعِدُه به البرَّاجون.
بدأت السيدة عبداللطيف الظهور والتجلِّي في قراءة الطالع السنوي، لكنَّها تحوَّلت حالة شهرية بناءً على رغبة المتلهِّفين. فاللبناني لم يعد يصغي إلى سياسييه لمعرفة مصيره الاقتصادي أو السياسي أو الوطني، وصار يفضِّل أن يسمع ذلك ممن لهم علاقة مباشرة بالغيب ومَونة واضحة عليه – وعلينا.
شكَّلت السيدة ليلى، في ما شكَّلت، خطراً على “المحللين السياسيين”، وهي مهنة، مثل حرفتها هي، بلا شروط أو ضوابط. ولكن فيما تتلو نجمة الغيب تنبّؤاتها الطاحنة بابتسامة ملازمة، لا يكتفي المحلِّلون بالضرب في الغيب، بل يميلون غالباً إلى ضرب بعضهم البعض. ودائماً بالشتائم الملائمة للإيقاع.
عبثاً تبحث عن رباعيات نوستراداموس. فالسيدة أمام التزام شهري لا يترك الكثير من الوقت لجماليات الأشياء. وفي العجلة لا تُعطى جثة لبنان، إلاَّ شيئاً من الغسيل. والكواكب مسرعة والأبراج تدور، والعموم في حاجة ماسة إلى تبريجة أو تبصيرة، تقهر أعداءهم، وتمنحهم سحر الخرز الأزرق وحمايته. أو حدوةِ الحصان.
لقراءة الأحوال، المشابهة لأحوالنا، أو الأوضاع التي هي في مستوى أوضاعنا، أدوات كثيرة، منها ورق اللعب، ومنها البرجيس، ومنها الصَدَف (يفضَّل الحلزوني منه)، ومنها البُنّ (ويفضل البرازيلي). مساكين من يفضِّلون “الاكسبرسو” على القهوة التركية، فلا قعر للفنجان يُقرأ، ولا خطوط تُستقرأ: قدّامك إشارتان، ربما يومان، ربما عامان، وربما ألفان…
في أيامنا كان قارئو الأبراج والمجرَّات من المغاربة. بعد الجلاء الفرنسي تخلَّفت هنا مجموعة من الجنود السنغاليين والمغاربة، أملاً في حياة إقتصادية أفضل. أو أسهل. السنغاليون انصرفوا إلى بيع الفستق في زوايا ساحة البرج، والمغاربة انصرفوا إلى بيع البخت، في الساحة نفسها، في فيء شجر البلح. قلَّة منهم راحت تطوف في القرى على ظهور البغال، ينادون: “دوا للحبِّة، دوا للربِّة، دوا للي ما بتجيب ولاد”، وعُرف ذلك بالطب المغربي، المصنوع في أكثره من قشر البصل. لا يضرّ ولا ينفع. وكذلك كانت قراءة البخت في ساحة البرج. فمن لم يتلقَّط به الطبيب المغربي من البسطاء في عزلة القرى، استفرده في زحمة البرج، قبالة دائرة الشرطة. بربع ليرة كان يمنحك حظوظ الدنيا. لا نكد ولا إرهاب: قدّامك (باللهجة المغربية) طريق مفتوح. سفر قريب. رسالة من قريب في البرازيل يبدو كأن فيها شيكاً. أو شيكين. دعني أتأكد. اعطني يدك أقرأها. لا. شيكان! ولا تتذكَّر أنه ليس لديك أقرباء في البرازيل إلاَّ بعد أن يكون هذا العالِم بغيب الله قد ضبّ ربع الليرة ووقف ينتظر الزبون التالي، ملاعباً بيديه مسبحته الطويلة الضخمة التي تُعينه على قراءة تطورات المستقبل.
الحمد لله على وجود بلدان أخرى يعمل فيها المحللون السياسيون. من الأسبوع المقبل تُصبح رلى عباس خلَف رئيسة القسم الخارجي في “الفايننشال تايمس” ورئيسة تحرير مشاركة. وفي قرار التعيين يقول رئيس التحرير، لايونيل باربر، إن “هذا سوف يساعدنا على الفوز بجوائز الصحافة العالمية”.
منذ 13 عاماً تغطّي رولى خلَف الشرق الأوسط في أكثر صحف العالم دقَّة ومحافظة، وأوسعها انتشاراً… ولا تنبؤات. تواضع الإنسان المهني الذي كلما توسَّعت آفاقه عَظُم تواضعه. اختارت هيلاري كلينتون الصحافية اللبنانية كيم غطاس لتضع كتاباً عن سنواتها في الخارجية. سبقتها إلى البيت الأبيض سيدة المراسلات، الطرابلسية هيلين توماس. وليس لديّ من شك في أن رندة تقي الدين هي أبرع من يقرأ الديبلوماسية الفرنسية، في الإليزيه والكي دورسيه.
لا أعرف كم وزير خارجية حول العالم يتابع تطورات المنطقة من كتابات رلى خلَف. لكن رئيس تحرير “الفايننشال تايمس” يعرف ذلك تماماً. نحن أهل المهنة نعرف ما معنى أن تكون سيدة من لبنان رئيسة القسم الدولي في صحيفة القرار السياسي الدولي. لا “الموند” ولا “النيويورك تايمس” ولا “الوول ستريت جورنال” لها تأثير “الفايننشال تايمس”.
اعتاد الصحافيون اللبنانيون، منذ القرن التاسع عشر، أن يُساهموا في بناء الصحافة العربية، أولاً في مصر، ثم في الخليج، ثم في صحافة “البان آراب” التي صدرت من أوروبا بعد حرب لبنان. لكن رولى خلَف أول سبق عالمي على هذا المستوى وبهذه الكفاية، وبهذا الاستحقاق.
يلمع الصحافيون اللبنانيون في الخارج، فيما تكتظ التلفزيونات بـ”المحلِّلين”. يفضّل البعض الآخر درجة النبوءة على درجة “التحليل”. والآية الكريمة تقول “قُل لا يعلم الغيب مَن في السماوات ومَن في الأرض، إلاَّ الله”. حتى الذين في السماوات لا يعرفون ما يعرفه أنبياء التلفزيونات. بل إن الله يحذِّر رسوله من الوقوع في إغراء المعرفة التي تتجاوز البشر إلى خالقها: “قُل لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسَّني سوء”.
لكن الله أيضاً لم يترك مخلوقه الفردوسي من غير أن يزوِّده أعلى أدوات المعرفة، فأعطاه العقل. به، بالعقل، يُدرك معاني الحياة ويدبِّر نفسه في مسالكها، ويَصعد بها إلى منطق الحياة، ويترك لك الخيار، ما بين أن تسعى إلى إقامة بيت ووطن وأمَّة تحكمها الفطنة، وأن تُلقي بنفسك للضرب بالمندل واستقراء حركة البرجيس ووقوع الصَدَفة على رأسها أو على جنَبِها. الويل إذا وقعت على الجانب الأيسر.
يصعب على أصحاب العقول في هذا البلد، الحال الذي وصلت إليه العقول. لقد تعوّدنا أن نقبل أي شيء. نحن الدولة الوحيدة في العالم التي لا يعرف مواطنوها لماذا ليست لديهم حكومة مع أن لها رئيسين. ولماذا مدّدنا للبرلمان ما دام لن يجتمع، ولماذا “الوسيط” الوحيد بين أخبار الدولة وبيننا هو السيدة عبداللطيف.
كانت عين الله أكثر رأفة بنا، أيام قارئي البخت المغاربة. كان كل شيء واضحاً وجميلاً: أمامك طريق مفتوح، وساحة البرج ساحة التقاء لا اعتصامات وأسلاك شائكة. ماكسيموم كان البصَّار المغربي يضحك علينا بالأخبار الحلوة، وكانت فيروز تسهِّل علينا الكذب الجميل: تعا ولا تيجي، الكذبة مش خطية. الخطيئة هي أن يكون كل شيء كاذباً وقبيحاً.