|
|
سلطت الأضواء في الأيام الأخيرة على منكوبي المركب الأندونيسي وتفاصيل المأساة التي التهمت أبناءهم الذين قسى عليهم الدهر واستبد في قساوته إلى الحدود التي مثلها خير تمثيل، ذلك الأب المنكوب الذي أفقده هيجان البحر والحظ العاثر وإجرام المتاجرين بأرواح الناس، كلا من زوجته وأطفاله السبعة، دفعه واحدة، عاد هذا الإنسان المنكوب بعدها إلى حياة العزلة والوحدة والإنكفاء، وإلى الفراغ القاتل، الحافل بالمأساة التي بدأت في ذلك المركب المنحوس، وستستمر مع ذلك المواطن المنكوب وبه إلى آخر رمق في ما تبقى من حياته، وأغرب ما في الأمر أنه صرّح للإعلام، بأنه على استعداد لتكرار هذه المغامرة المأساوية، ربما لكي يطفىء بها حرقة المغامرة الأولى التي انقضّت على عائلته كالوحش الكاسر، فبات أمله اليوم منصبا على استثارة الوحش نفسه،ليبلعه هو أيضا في ضمن ما ابتلع، وليجمعه الموت بأولاده وزوجته بعد أن لفظتهم الحياة وقتلتهم تصرفات المجرمين بعد أن تقاذفتهم المياه والرياح والأمواج وأوصلتهم الى نهاياتهم المأساوية.
هذه الأضواء التي وجهها الإعلام، على المنكوبين وعلى تفاصيل مآسيهم بشمولية ونجاح،تستدعي اليوم، وبكل صلابة وجرأة وتصميم، توجيهها إلى المجرمين الأساسيين والحقيقيين، الذين وصلت بهم الوحشية إلى حد المتاجرة بأرواح الناس وبحياة أطفالهم،فكأنما هؤلاء القتلة وقد امسكوا برقاب بريئة سلمتهم مصيرها، فتسلمها عنهم المجهول، وتحكمت بأرواحهم مشيئات إجرامية، لم تر أمامها من وازع أو رادع، فالضمير، والأساس الإنساني غريبان عن هؤلاء كل الغرابة،
نعم فلتسلط الأضواء على هؤلاء المجرمين خاصة، المحليين منهم، وليحصل ذلك، بكل الوسائل الإعلامية، ليعرفهم الناس جيدا، ولتتكون بهم وعنهم، معرفة ووعي وتحسب لدى الناس جميعا، خاصة منهم، من أرعبهم الوضع اللبناني وهزهم في وجودهم وفي هلعهم على مصيرهم ومصير عائلاتهم وأولادهم. إنه الخوف والتحسب من الغد ومفاجآته، إنه الخوف على الوجود والمصير والمستقبل.
إن القانون الطبيعي والقانون الوضعي كفيلان بتحديد القواعد والمواد القانونية التي من شأنها تأمين العقاب الرادع،عن هذه الجريمة النكراء.الجرم قائم،والجميع يلمسونه لمس اليد، يبقى أن ندفع باتجاه حث المسؤولين القضائيين والسياسيين ليتحركوا باتجاه الوعي والجرأة والإحساس بالمسؤولية القانونية والإنسانية، وليكون العقاب لاحقا حتما بمرتكبي الجريمة وإلاّ، فلتقلب الأمور،ولتكن عواقب هذه الجريمة لاحقة بالممتنعين عن إحقاق الحق، والمسلّمين والمستسلمين بحصول الجريمة والإكتفاء باعتبارها قضاءا وقدرا، وهي ليست كذلك، بل هي فعل جرمي صارخ لا بد من تحريك العدالة وأحكامها، صوبه وباتجاهه.
لربما كان الفقر والحاجة هما المحركان اللذان يدفعان بهؤلاء المساكين، إلى مثل هذه المغامرات العشوائية التي دفع بعضهم حياته وحياة أطفاله ثمنا لها، ولكن الوضع اللبناني الذي لم يعد فيه حجر ثابت فوق حجر، ولا أمن يتصل بأي لحظة من لحظـات أمان واطمئنان الى المستقبل،قريبـه والبعيد، هذا الوضع المتهالك والمتآكل، بات يدفع اللبنانيين، بمن فيهم الذين لم يصلوا إلى درجة الفقر المدقع، بل إن بعضهـم ميسور الحال، ويمكنـه أن يستمر في حياته القائمة بشكل مقبول ومعقول، لولا ذلك البعبع المفترس : القلق والخوف من الغد المهتز والرهبة تجاه سوء التوقع وسيء المصير، والإفتقار إلى الثقة بأن هذه الأرض وهذا الوطن وهذه الدولة، يمكن أن يحققوا لهم أي نوع من الأمن والإستقرار والمستقبل الزاهر.
تعم، فلتسلـط الأضواء جيدا وكثيرا على المجرمين المتاجرين بأرواح هؤلاء الناس، مستغلين قلقهم وخوفهم وتحسبهم من غد تطلع فيه الشمس وتطلع معها الأرواح، ولعل آخر نماذج الموت والإرهاب الأعمى، تلك المتفجرات العشوائية تحصد الأرواح البريئة، في كل المناطق، ودونما أي تمييز بين الناس، فكأنما تحقق بذلك، نوع من « العدالة « العمياء والحكم الظالم بالإعدام السريع والمريع، يضاف إليه، تصدع الدولة إلى حدود استيلاء دويلات سواها، متقطعة الأوصال بأرضها وشعبها ومؤسساتها، إلى أجزاء وأنحاء، لا يربطها فيما بينها إلا الحذر والتحسب والتخوف والإستعداد المسلح لمواجهة طوارئ الغد،ومخاوف المستقبل.
هذا الوضع، ربما كان لبنان أحد الأمكنة التي تعاني من مآسيه، ولكن، بلدانا كثيرة تعاني مثل معاناته، وللأسف الشديد، معظم هذه البلدان، هي ضمن إطارات الدول العربية واستطرادا الدول الإسلامية، فها هي كل من مصر والصومال والجزائر وتونس والمغرب وسوريا وكثير غيرها من الدول الشقيقة، تنتابها نفس المخاوف والمقلقات والتحسبات وتغرق لها مراكب، ويسقط لها ضحايا أبرياء رجالا ونساء وأطفالا، ونشاركها وتشاركنا في نفس المآسي ونفس الأسباب ونفس المخاوف والتحسبات.
وقد أبلغني أحد الزملاء المحامين الفرنسيين من ذوي الأصل الجزائري خلال وجودي أخيرا في باريس، كيف أن أحد أصدقائه في الجزائر، من ميسوري الحال حيث أنه يملك بناية تحتوي على طوابق عدة، وعلى محلات تجارية يستثمرها في أعماله وفي تجارته بالأدوات الطبية وفي أعمال الصيدلة، وهو من الأطباء المعروفين الذين يجنون مالا وفيرا من مهنتهم، هذا الرجل، قام بتصفية أعماله وأملاكه جميعا في الجزائر، وهاجر إلى فرنسا،حيث نقل استثماراته وأعماله إليها، هربا من أحوال بلاده المضطربة الغارقة في أتون الفساد والإفساد ونهب الثروة الوطنية وطمس معالم الحياة الحرة والكريمة، وهو اليوم لا ينفك معلنا عن سعادته حيث يقيم ويعمل في أقصى قدر ممكن من الأمن والأمان والثقة بالمستقبل.
هذه هي منطقتنا وهذا جو بلدنا، يهتز في كل أمكنته وبقاعه وميادينه، وها هي المراكب ترحل بأبنائنا في كل البحار باتجاه أمل ما ومستقبل ما تنجو فيه بنفسها وبأولادها من مساوئ المخاوف والمقلقات والتحسبات.