كتب زياد منصور في صحيفة “المستقبل”:
وكأنّ الحكايات ولاَدة في عبّارة الموت التي خطفت عائلات وما ردّت سوى نتف أرواح وأشلاء.
هي الـ”تايتانيك”(رقم إثنين)، قد تغدو في الذاكرة اللبنانية التي لا تنفك تستعرض كيف أن عدداً من اللبنانيين كانوا على متنها، تلك السفينة الضخمة التي شقّت الجليد بحثاً عن مغامرة، مع فارق أنّ راكبي عبارة الموت وغالبيتهم من اللبنانيين،ما بحثوا إلا عن الأمان والعيش بكرامة،فنابهم ما ناب الخارجين عن أوطانهم بهويات “ون واي”،لا خيارات فيها إلا لقراصنة البحر، والقراصنة لا رحمة في أمواجهم التي تقصف الأعمار، وتحيل الحيوات إلى جثث قيد الترحيل أو إلى عائدين بلا لون أو ولد.
في منزل خالد طالب في قبعيت،المفقودون ثلاثة عشر فرداً،ومن بقي على قيد الحياة الصهران حسين خضر وأسعد علي أسعد والابن خالد وزوجته وطفلتيه.
قدر خالد أنه رفض السفر على متن العبارة موعوداً برحلة على متن طائرة، أي رحلة مضمونة فتأشيرات دخول ليتضح لاحقاً أنها مزورة، وليظهر بأن منظمي الرحلة يصطادون من يلمسون بأنّ لديه أموالا وامكانيات فيضعونه تحت احتمالات مختلفة ومنها السفر بالجو.
خالد وقع ضحية فخ وشرك منصوبين، فلا طائرة ولا من يحزنون.
حسين انتظرعودة خالد والوالدة والأخوات،إنما أسعد فلم يحضر باعتبار أنه موقوف. قام بتسليم نفسه بناء على اتفاق، لأنه كان من المفترض أن يلقى القبض عليه في مطار بيروت لكن تدخل شخصيات حال دون ذلك، على أن يقوم هو بنفسه بذلك يوم الثلاثاء فكان ما كان، ذلك أنه مطلوب بمذكرة توقيف أولاً لقطع حطب ولم يحضر الجلسات، وثانيا لخلاف أثناء الانتخابات البلدية.
المشهد واحد “العناق المؤثر.. الدموع،البكاء، الأسف على من فقد من أطفال، تذكر اللحظات المؤلمة وصرخات ونحيب الأمهات والأطفال وطلبهم للنجدة دون اغاثة من أحد، الموت، قذف الأمواج العاتية للجثث، الوضع المزري للأطفال والأمهات على الشاطئ..”.


أبو صالح غيَر الصورة
يقول خالد مستعيدا المأساة:”انطلق من ابو صالح، المتهم الرئيسي بتنظيم هكذا رحلات..أبو صالح الذي ظهرت صورته في بعض الصحف اللبنانية ليس هو، أنا أعرفه جيدا، فمن أين جاؤوا بالصورة لا أعرف، أولاً هو متنفذ ويتمتع بعلاقات واسعة لدى الشرطة الاندونيسية”.
يتابع:”المهم في القضية أنه عندما سافرنا أخذنا تأشيرات لمدة شهر بكامله، عند وصولنا بدأت المعاناة وشعرنا أننا ضحية، ولما لم نكن لنصدق، فقد سبقنا غيرنا ونجحوا، في كل يوم يعدوننا بأن الرحلة غداً أوهي قيد التجهيز، بل وعدونا أننا سنمضي العيد “عيد الفطر “في أستراليا..”.
ويروي:”أنا شخصياً سافرت على أساس أن الرحلة عبر البحر. مر العيد الأول ونحن على مسافة قريبة من عيد الأضحى، ولم يحصل سفر ولا من يحزنون”.
ويتذكر: “عند وصولنا الى هناك قالوا لنا ادفعوا المتوجب (هناك من سافر ولم يدفع المطلوب قبل أن يطمئن الى نجاح الرحلة). صهري حسين “ابو علي” مثلا سدد مبلع 55 ألف دولار، وصهري الآخر أسعد سدد 20 ألفاً، وانا المبلغ نفسه..
بدأنا بالتواصل مع أشقائنا في أستراليا، قالوا لنا انه من المستحيل أن يسمحوا لكم بالوصول الى أستراليا، بل سيرحلونكم الى غينيا الجديدة فيما لو نجحتم..”.
ويلفت:”بعد مرور شهر انتهت مدة التأشيرة، وكانوا يوميا يعدوننا بأن السفر قريب ويقولون السفرة قريبة. رغم ذلك ظلّ الأمل كبيرا لأن هناك من سبقنا ووصل الى حيث يريد وهم من العراق وايران وغيرها من الدول. كنا نرى كم كان هناك من المسجلين على لائحة الانتظار لدى أبو صالح. عندما تأخرنا اعتقدنا أن العدد لم يكتمل أو ربما هناك من لم يسدد كامل المبلغ، فالعبّارات تحمل من تسعين الى مئة شخص، رغم اكتمال العدد ظلت الوعود وعوداً..
وأمام هذا الوضع، تواصلت مع أخي في أستراليا الذي أكد لي مجدداً أن الواصلين يتم انزالهم في غينيا
الجديدة، وكانت سبقتنا عبّارة على متنها بعض من أهل قريتنا، لكن شقيقي نصحنا بالعودة الى لبنان، وقال:” عودوا بما تبقى لديكم من أموال وافتحوا أي شغل في لبنان أفضل من ترحيلكم الى غينيا الجديدة، فالظروف قاسية هناك”..
ويؤكّد خالد بأنه عدل عن فكرة السفر، وفاتح صهره حسين بالأمر ، لكن الأخير قررعدم العودة بالمطلق الى لبنان وقال: “ولو وضعونا في جزيرة نائية المكان، لا عودة الى لبنان..”.
ويبرر تمسكهم بعدم العودة: “طبعاً لصهري الأول والثاني دوافع حقيقية لقول ذلك، انهم باعوا كل ما يملكون، الى أسرهم الكبيرة، وسوء الوضع الاقتصادي.. أضف الى ذلك أنه وبعد مرور شهر على انتهاء التأشيرة، في حال قررنا العودة يحتاج الشخص الواحد الى نحو الاربعين ألف دولار من أجل العودة، إذ أنه على كل يوم بقاء في اندونيسيا من دون تأشيرة غرامة بقيمة واحد وعشرين دولارا..”.
رحلات وهمية وابتزاز
وبعد أن اتصل بالمعني “الوسيط” ،عرض عليه احتمال السفر بالطائرة، والتكلفة فقال: انها بحدود الستين ألف دولار، فأبدى رغبته وموافقته بعدما أكد أنها قانونية ومضمونة، ورغم ذلك أكد بأنه غير مستعد للدفع قبل أن يرى التأشيرات بعينيه وهكذا كان، فطلب منه الجوازات، وبالفعل وضع التأشيرات الى أستراليا لمدة ثلاثة أشهر، وأكد أنها تخوله تقديم لجوء هناك من دون أية عوائق..”.
يحكي خالد: “طوال هذه الفترة كان الانتظار سيد الموقف والوعود هي عينها برغم الغلاء في اندونيسيا، ففي كل يوم تحتاج الى أكثر من مئة دولار كي تأكل فقط.في هذه الأثناء كان الذين سيصار الى الابحار بهم واقعين تحت مكيدة، ففي كل يوم أو يومين يجمعونهم ويذهبون بهم أربع ساعات ثم يعودون بهم الى مكان للابحار، ويقولون لهم تأجلت وهناك عوائق، بل كانوا يحظرون عليهم حتى حمل كيس.. ثم يعودون بهم الى مكان آخر غير أماكن سكنهم المعروفة ويكدسون البشر فوق بعضها البعض..
بالنسبة لي وضعي كان مختلفاً باعتبار أنني سأسافر على متن طائرة..وفي المرة الأخيرة، أي قبيل انطلاق الرحلة الموعودة ساروا بهم خمس ساعات، لتقبض عليهم الشرطة وتضعهم في الحجز لمدة “الايميغرايشن”، فاتصلوا بي وأخبروني بذلك، قمت بالاتصال بأبي صالح، ففبرك لي أقاويل مؤكدا ان التوقيف طبيعي. وأكد أن الدولة هي من سترحلهم وتنظم رحلتهم. ليتضح أن الكلام عار من الصحة، وهم بقوا في عهدة شرطة الهجرة، بحيث تمكن البعض من الفرار.. إذ إن المشكلة أنه إذا أراد أحد من هؤلاء الحصول على اقامة سيتم سجنه ثلاثة أشهر ليمنحوه حق اللجوء بعد النظر في طلبه..
المهم تمكن صهري من الفرار وبقي لدى صهري حسين ابنتان معتقلتان: ريم ووفاء، واتصلنا بالوسيط وطالبناه باعادة الفتاتين، فوعد خلال ساعات بذلك، مرت الساعات ولم تعودا، لكننا فوجئنا باتصال منه أن هناك رحلة خلال ساعات ويجب الاستعداد.. صهري بكى وزوجته انتحبت، كيف السفر والبنات رهن الاعتقال، وقررنا في النهاية أن يبقى حسين مع البنات ويبحر أفراد الأسرة، وعند الافراج عنهما يسافر في أعقابها..يومها ألغيت الرحلة من دون سبب معلوم، لتتصل البنتان حوالى الساعة الثانية فجراً مؤكدتين أنه باستطاعتهما الفرار عبر نافذة مفتوحة، وبالفعل تمكنتا من ذلك الى مكان بعيد عن السجن، اختبأتا وأرسلنا تاكسي الى هناك ، وعادتا الى حيث أقيم وأسكنتهم في نفس الفندق وكان معي الشاب بسام عثمان وشقيقه اللذان توفيا..”.


ساعة الصفر
وجاء اليوم الذي ابحرت فيه العبارة بعد طول تأخير،يسترجعه خالد:”عصراً اتصل بي عبدالله طيبة من طرابلس وعمل مع أبو صالح وأكد أن هناك سفرة، وطلب بالاتيان بالجميع للسفر. انتقل الجميع الى مكان التجمع المفترض بالقرب من الشاطئ حيث استلمهم شخص عراقي..
هم أبحروا بالفعل، وأنا بقيت على تواصل دائم مع شاب من آل جوهر وصهري أبو علي الذين كانوا على متن العبارة وكان لديه خط هاتف وبقيت أتواصل معهم حتى الساعة العاشرة ليلاً، انقطعت الاتصالات لاحقاً مع العبارة، لكن تلقيت اتصالاً من المشرف على الرحلة الذي أكد وصول الجميع بسلامة، رغم ذلك كانت لدي شكوك لأن صهري لم يتصل بي حسب الاتفاق، رغم ذلك أجريت اتصالات بأستراليا بأخي وسألته عن الطقس وكيف الأمواج قالوا الطقس جيد والبحر هادئ..وفي اليوم الثالث لم أتلق أي اتصال من أحد.
في قلب المأساة
في اليوم الخامس وكان يوم الجمعة كانت المفاجأة ، اتصل صهري من البحر، فوجئت أن الاتصال على رقم اندونيسي، هنا بدأ يلعب “الفأر في عبي”، كنت أسمع صريخ الأطفال والنساء، سألته ما الذي يحصل؟ قال صهري: لقد متنا من الجوع، ونحن متروكون بلا مياه والأطفال تستغيث ومرض الكثير منهم. على الفور اتصلت بأخي في أستراليا والرجل الذي ينظم الرحلة، الشرطة الأسترالية طالبت بتحديد الموقع، حاولت الاتصال حتى السابعة صباحا، كان الخط مقفلاً، السابعة اتصل مجدداً وحدد موقعه فوجد نفسه قريبا من شاطئ جاكرتا، رغم ذلك كان الوسيط لا يزال يؤكد لي وصولهم الى جزيرة ” كريستمس” وأكد تقديم كل العون الطبي والغذائي.. “.
ويصف تلك اللحظات بأنها ” لحظات انتظار طويلة وصعبة ومرهقة، أعدت الاتصال بابي صالح فأكد ارسال مركبين للنجدة، مركب محمل بالمازوت وبالأطعمة، ومركب ليصار الى نقلهم الى مركب آخر واكمال الرحلة..
لاحقا توضح لنا أنه لم يرسل أي شيء، ولا الأستراليين أنقذوهم..أما عني أنا فعرفت بالكارثة وبوفاة هذا العدد من الاتصالات التي تلقيتها من لبنان.
تسأل عن مصير الركاب، باعتبار أن الاتصالات انقطعت مع صهري حسين. الرجل أقفل خطه وبات لا يرد على أي اتصال..”.
ضحايا التلاعب
بعد التجربة ينصح خالد الناجي من موت محتم، شباب القرية بعدم السفر مطلقا وبخاصة عن طريق البحر، يقول:”لا أنصح أي انسان بعد الذي حصل، وأنا فقدت 13 شخصا، أنصح كل انسان إذا استطاع السفر من لبنان فليفعلها ولكن على المضمون وبطريقة شرعية وقانونية، اعتقد أن القضية فيها تلاعب، لكن لا أحمل أحدا أية مسؤولية، لو أراد أبو صالح ومن معه التخلص من الركاب كانت هناك ألف طريقة ليفعلها، بالنسبة للكلام عن وجود متورطين من قريتنا أنا شخصيا أشكك به، فليس صحيحاً أن كل من سهل في انجاز المعاملات والباسبورات متورط وخاصة أن بين الركاب أولادهم، لا أحد من أفراد قريتنا يود وضع دم في رقبته..”.
ويضيف: “أنصح كل شاب أن يسافر بطريقة شرعية لتأمين مستقبله، أنا سافرت الى أستراليا وعرفت ما هي استراليا، وإن كانت ليست بالجنة، لكنها أفضل مئات المرات من لبنان ومن تعتير لبنان، لقد سافرت الى هناك رحلة سياحية، هناك فرق شاسع وشتان بين لبنان وأستراليا”.
لولا الضيق
أما الوالدة عائشة عباس التي فقدت ابنتيها كوثر وريا زوجتي اسعد اسعد وحسين خضر فقالت: “رحمة الله على الجميع، هذا حكم الله، هذه ارادة الله بأن يموت أولادي، قدرهم المكتوب، هذه ارادته عندما يريد الرب العفو عن انسان يعفو، وإن أراد عكس ذلك سيكون عكس ذلك، ولا ذنب لأحد في شيء، أولادي توفوا وأولادهم وأحفادي والله يعوض.. ورغم المصيبة لولا الضيق لما أقدم أي أحد على التفكير بالسفر..”
أم خضر:لن أسمح لهم بالسفر
في منزل خضر درويش اللحظة مؤثرة ومعبرة، المشهدية عينها، ووصف حالة اللقاء صعبة، بل لا يمكن التعبير عنها بأي شكل، رغم تفضيلهم عدم الحديث عن أي شيء يذكرهم بالمأساة، لكن الصمت أبلغ تعبير، والوالدة تصرخ “لا لن أسمح لهم بالسفر الى أي مكان، ما عشناه من ألم وحسرة وخوف وقلق لا يقارن بكل جنات الدنيا “.
وعلم أن بين العائدين موقوفين تم اصدار جوازات مرور لهم ودفع الغرامات المتوجبة عليهم، وهم: علي حسن، وفرج محيش، ناصر الدين يوسف، محمد عبد اللطيف، عبد الرحمن عيسى، وخضر درويش.. وبالاضافة الى هؤلاء فقد عاد محمد درويش، عبدالله جديد، آية حسن، ريما طالب، عايدة عواد، دعاء حسن، مصعب الكك، خالد طالب، جهاد أراياميك وعائشة طالب..