كتبت ناتالي إقليموس في صحيفة “الجمهورية:
على وقع ارتفاع الزغاريد وانهماك المدعوّين بالعروسَين، وقَف سامر. ج قرب كنيسة مار مارون في الجمّيزة، في اعتبار أنّه يعمل «فالي باركينغ»، فسلّمته شابة سيّارتها الرباعية الدفع من نوع «انفنيتي» لرَكنها، فسرقَها.
هذه لم تكن السيارة الوحيدة التي سرَقها سامر. فبعد عشرة أيام عملَ في موقف مطعم في الحمرا بإسم حسام جبيلي وسرقَ سيارة “جيب X5” لأحد الزبائن. وبعدها انتقل إلى مقهى على مدخل الجمّيزة ليعمل باسم إيلي جوزف عقيقي، وسرق سيّارة ديما ج. نوع “أودي” موديل 2010، التي كانت وصلت الساعة الثالثة بعد الظهر إلى المقهى وخرجت عند السادسة لاستلام سيارتها، فاكتشفت أنّها غير موجودة. وتبيّن لاحقاً أنّ عقيقي اختفى وأقفل خطّه.
… إلى بريتال
وعمل سامر ج. بإسم غابي جابر حنا، في موقف لإحدى شركات بيع أدوات منزلية على الدورة، وسرق “جيب هوندا” لأحد الزبائن منذ اليوم الأوّل من توظيفه. وانتقل إلى منطقة الروشة حيث عمل بإسم رمزي ميشال حداد في أحد المطاعم وسرقَ “جيب X6”.
إختلفت السيناريوهات وكثرَ المتضرّرون، إلّا أنّ مصير السيارات التي سطا عليها سامر واحد، وكذلك أسلوب الاحتيال. فبعد مداهمة منزله وتوقيفه، اعترف بتسليمه السيارات المسروقة في كلّ مرة إلى عصابة تنقلها من أمام كنيسة مار مخايل الشيّاح إلى بريتال، مقابل مبلغ من المال ومجموعة من الهويّات ودفاتر سوق مزوّرة عليها رسمه الشخصيّ بأسماء مستعارة، بالإضافة إلى سجِل عدليّ له نظيف… مستندات كان يبرزها في كلّ فرصة “فالي باركينغ” يقتنصها.
ضروب الإحتيال
يختلف مستوى الممارسات السيئة التي يرتكبها موظّفو الفالي باركينغ تجاه سيارات المواطنين، لا سيّما في الشركات غير المرخّص لها والتي تتراخى في المراقبة والتدقيق على حساب مصالحها الربحيّة.
بيدَ أنّ “ضروب الاحتيال” التي تشهدها الشركات الشرعية ليست أقلّ وطأة، بل يُحسب لها ألف حساب. في هذا الإطار، يُخبر جوني: “كنت أجلس في مقهى في زوق مصبح، إقتربَت منّي سيّدة تستأذنني مرافقتها بعدما همست في أذني: “الشباب نكزولك السيارة”، فخرجت محاولاً تمالك أعصابي، لأكتشف أنّ سيارتي تعرّضت لحادث على بابيها”.
حاول جوني الاستفسار عن سبب الحادث، فاكتشف أنّ أحد شبان الفالي باركينغ انقطع من السجائر، فاستعان بسيّارته. أمّا عن أسلوب تعاطي الشركة معه، فيجيب: “صحيح أنّ إدارة الفالي تكفّلت بأعباء التصليح، إلّا أنّها استرخصت ولم تُعِد للسيارة لمعَتها”.
ما حدث مع راشيل لا يقل غرابة، فتروي: “فصولي مع شباب الفالي لا تنتهي، لن أتحدّث عن الذين يتلاعبون بالمذياع “هيدي بسيطة”، أو يشعلون السجائر داخل السيارة وتتحوّل عملية البحث عن مكان شاغر إلى كزدورة أو “برمة على الشباب”… إنّما سأتوقف عند حادثة كدت أفقد فيها سيارتي. ذهبت لتناول العشاء مع رفاقي في جبيل، طالت السهرة حتى ساعات الفجر الأولى، لم أكترث لأمر السيارة، لأنّ شابّاً من الفالي اهتمّ برَكنها بطريقة لا تعرقل طريق الساهرين”.
إنتهت السهرة وخرجت راشيل لتبحث عن سيارتها، فتنبّهت إلى أنّ الذي سلّمته المفتاح لم يعطِها أيّ ورقة إيصال تحمل رقماً محدّداً… عبثاً بحثت عن الشاب لتسأله عن المفتاح، وبعد طول إنتظار إكتشفت أنّ سيارتها مركونة بعيداً فاقتربت منها لتجد المفتاح في قفل الباب من الخارج والنوافذ مشرّعة، من دون أيّ حسّ بالمسؤولية.
تمزيق محاضر المخالفات
“حلفت يمين أنا بصفّها”. بنقمة عارمة يؤكّد لؤي أنّه قطع وعداً على نفسه بأن يركن سيارته شخصياً، خصوصاً بعدما تكبّد دفع 3 محاضر مخالفة وقوف. فيخبر: “لو كلّفني الأمر أن أركن سيارتي وأسير مسافة طويلة على أقدامي في الحرّ أو في البرد… “التوبة” إن كنت أعطيها إلى الفالي”. ويضيف: “لطالما قدّرت خدمة ركن السيارات وتعاطفت مع الشباب، ولم أبخل يوماً في “البقشيش”، إلّا أنّني وقعت أخيراً ضحية إهمال عدد منهم، وحين جاء موعد المعاينة الميكانيكية لسيّارتي اكتشفت أنّني تأخرت عن دفع عدد من المخالفات… بعد البحث والتدقيق تبيّن أنّ الشباب قد ركنوا سيارتي أكثر من مرّة في مكان ممنوع الوقوف فيه، و”الأضرَب” أنّهم كانوا كل مرّة يمزّقون ضبط المخالفة، مَا ضاعف الكلفة”.
«مصلحة ما إلا ربّ»
يعمل ألبير منذ سنوات طويلة في مجال “الفالي باركينغ”، يتقن فيه كلّ شاردة وواردة. فيقول: “هذه المصلحة “ما إلّا رَب”. كلّ حسب ضميره، أكان يتبع شركة محترمة أو غير مرخّص لها”. ويوضح: “أسباب جمّة تقف وراء سوء أسلوب شباب الفالي، في الشارع يعيشون ضغطاً كبيراً نتيجة زحمة السير واستعجال المواطنين لتلبيتهم. أمّا علاقاتهم مع الإدارة فهي ليست أفضل، خصوصاً أنّ الرواتب “بالأرض”. الشركات التي تخصّص راتباً لموظفيها تحرمهم بطريقة غير مباشرة من “البقشيش”، فتطلب منهم وضعه في صندوق مشترك، غالباً ما يستفيد منه الموظف الثابت والمضمون فقط. أمّا الشركات التي تسمح لموظفيها بالـ”بقشيش”، فإمّا لا تخصّص لهم معاشاً على طريقة “اللي بِطّلعو بتاخدو”، أو من الأساس رواتبها رمزية”.
منافسة شرسة
في المقابل، يرفض إيلي مدير إحدى الشركات لرَكن السيارات، المرخص لها، تعميم الممارسات السيئة. لذا يفصل بين الشركات “المحترمة حالها”، التي تدرّب الموظفين، تراقبهم وتعاقبهم نتيجة أيّ سوء تصرّف، وأخرى “فاتحا ع حسابها”. ويقول في حديث لـ”الجمهورية”: “صحيح أن لا نقابة لهذه المهنة بعد، ولكنّنا نلتقي من وقت الى آخر عدداً من الشركات الشرعية التي لا يتجاوز عددها أصابع اليدين، لنتفق على بعض الأسُس التنظيمية”.
ويلفت إيلي إلى سباق “شرس” بين شركات “الفالي”: “نظرا إلى غياب قانون يحدد كلفة التعاقد بين المؤسسات وشركات الفالي باركينغ، تدخل هذه الاخيرة في منافسة شرسة تكبدها مبالغ هائلة فقط لتثبيت تواجدها والإستحواذ على خدمة أكبر عدد من المؤسسات”.
لا ينكر إيلي ان هذه المهنة مربحة على مدى المنظور، و”لكن في الوقت عينه تحتاج إلى مصاريف لا يستهان بها، أبرزها كلفة التعاقد مع المؤسسة، رواتب الموظفين، التأمين، تغطية الحوادث الطارئة من سرقات وفقدان أغراض، إيجار المرآب…”.
القرار 1536: إلزامية الترخيص
“الفالي باركينغ في لبنان باتت احتكارات بين المناطق، أكثر ممّا هي خدمة للمواطنين”. بهذه العبارة يختصر وزير السياحة في حكومة تصريف الأعمال فادي عبود رأيه، معرباً عن أسفه لعدم إلتزام العدد الأكبر من شركات الفالي بالقرار المشترك الصادر في أيلول 2011 عن وزارتي السياحة والداخلية. ويوضح في حديث لـ”الجمهورية”: “أرسلنا إلى نحو 60 شركة دعوة من أجل الإستحصال على رخصة رسمية لدى المحافظ بعد نشر القرار 1536 في الجريدة الرسمية، تحت عنوان “تنظيم عمل راكني السيارات”. نحثّ من خلالها كل المؤسسات والشركات التي تُعنى بركن السيارات على وضع عبارة Valets Parking، على ممتلكاتها كافة، لا سيّما على ملابس مستخدميها بشكل ظاهر. وحدّد القرار كذلك، شروط الاستحصال على الرخصة ومعايير إختيار المستخدمين”.
ويثني عبود على القرار، واصفاً إيّاه بالمتقدم، “إنّما العبرة في التنفيذ”. ويقول: “من القضايا المفيدة التي قد يجهلها المستخدمون هي ضرورة عدم تسليمهم السيارة لمن تظهر عليه علامات السكرِ، والإتصال بقوى الأمن. أمّا في تعاطيهم مع السيارة فقد ألزمهم القرار في المادة التاسعة ركن السيارة بطريقة رصينة، وإيقاف المحرك مباشرة بعد ركنها، وإيقافها في اتّجاه السير، وعلى نحو يمكن إخراجها بسرعة عند الضرورة”.
يشبِّه عبود قرار تنظيم الفالي باركينغ بموضوع منع التدخين، إذ تنفيذه على أرض الواقع في يد الشرطة، والشرطة السياحية مرجعيّتها الشرطة القضائية، وفي مقدّمتها وزارة الداخلية. في هذا السياق، يلفت إلى ان “وزارته لا تملك العسكر الكافي، فقط 72 عنصراً يغطون الاراضي اللبنانية كافة ليلاً نهاراً”، لذا تمنّى على وزارة الداخلية التعاون والضرب بيد من حديد.
%5 من الشركات فقط ملتزمة
من جهته، يستنكر وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الاعمال مروان شربل استمرار عمل شركات غير مرخّص لها، وإلتزام “5 في المئة فقط بالقرار”. ويقول في حديث لـ”الجمهورية”: “صحيح أنّ الوزارة غير معنية مباشرة بإعطاء التراخيص، إنّما بعملية تنظيم السير ومتابعة الشكاوى في المخافر…”.
ويحذّر شربل من استعانة المطاعم بمستخدمين غير مصرّح عنهم، قائلاً: “عدد من أصحاب المطاعم يلزّم شباب الحي ركن السيارات من دون أي راتب شهري، لذا منهم من يتمادى في ممارساته السيئة، إلى حد قد يصبّ نسخة عن مفتاح تسلمه، وبعد يومين نسمع بأنّ السيارة اختفت… لذا لا بد من تنظيم هذا القطاع أيا تكن الظروف”.
ثغرات بالجملة
لا تخفي مديرة مصلحة المؤسّسات المصنّفة بالتكليف في بلدية بيروت المهندسة جاهدة عيتاني استغرابها لصدور القرار من دون وجود آلية تضبط ترجمته، فتقول: “المؤسف أنّ أحداً لم يستشرنا في القرار، لذا وجدنا صعوبة في تنظيم عملية إعطاء الرخص. في طبيعة الحال، لا تكمن المشكلة الأساس في الحصول على الرخصة، فهي غير مكلفة، إنّما في جمع المستندات والأوراق اللازمة. فبعض الشركات قد يكون مكتبها الأساس في بيروت إنّما تعمل في خدمة مؤسّسات خارج نطاق العاصمة، ما يُصّعب ضبط المسألة جغرافيّاً”.
وتتوقّف عيتاني عند مجموعة من الثغرات لم يلحظها القرار، قائلة: “ضمن المستندات المطلوبة لتقديم طلب الترخيص إفادةٌ عقارية، للعقارات التي سيتمّ فيها رَكن السيارات، ما يعني أنّ الشركة ملزَمة ركن السيارات في العقار المصرّح عنه في الرخصة. لكن على سبيل المثال، قد تصرّح شركة عن مرآب خاص في الباشورة، أمّا المؤسسة التي تعمل لحسابها فتكون في الأشرفية، ما يُبقي الفوضى عارمة، فنجد سيارات على الأرصفة، وأخرى في صفّ ثانٍ تعرقل السير، مع العلم أنّنا نكون قد كشفنا على العقار ووجدناه صالحا”.
وعمّا إذا حدّد القرار تسعيرة ما لخدمة الفالي، تجيب عيتاني: “لم يذكر 5 آلاف ليرة ولا تسعيرة أخرى، وهذه ثغرة إضافية”.
وأكثر ما يزيد الطين بلّة في خدمة الفالي باركينغ، على حدّ تعبير عيتاني “أنّ معظم الشركات لا تصرّح عن العدد الحقيقي للمستخدمين لديها، فلا تقدّم نسخة عن أوراقهم للتأكد من نزاهتهم، فتوظّف “من هبَّ ودبَّ”. وتضيف: “المؤسف أنّ القرار لم يلزم حتى أصحاب الشركات بتجديد أوراق مستخدميها المصرّح عنهم، فماذا لو اتّسخ سجِلّهم العدلي؟ لا بدّ من تجديد العقد أقلّه سنوياً”.
ما الحل؟
في وقت يفضّل من “ذاق اللوعة” ركن سيارته شخصيا، يلجأ آخرون إلى الإتصال على الرقم 1735 الذي خصصته وزارة السياحة لتقديم الشكاوى. يبقى السؤال ما الجدوى من إصدار قرارات وسنّ قوانين “رفع عتب” عوض من أن تكون فاعلة في حماية المواطنين وتنظيم حياتهم؟ ومن مصلحة من إبقاء هذة المهنة في حال من التسيب والفلتان؟