بعد 34 سنة من “الثورة الإسلاميّة” في إيران ، وعجزها عن تصدير نفسها بالجُملة إلى العالمَيْن العربي والإسلامي ، كان لا بدّ من تصديرها بالمفرّق ، في العراق وسوريّا ولبنان وبعض الخليج ، وحيث ينجح ثلاثي المال والسلاح والشعار ، كما في غزّة سابقاً .
وفي التصدير بالمفرّق ، نجحت “الثورة” في اقتطاع حيّز جغرافي وبشري في لبنان ، إسمه الضاحية الجنوبيّة لبيروت ، وزوّدته كلّ الشروط والأسباب اللازمة للحياة ، من العقيدة والعصب إلى المال والسلاح.
لكنّ الخطّة لا تكتفي بالنجاح المحصور ضمن جدران مقفلة ، بل هدفها الأساسي هو تعميم النموذج الضيّق على أكبر مساحة ممكنة ، والتمدّد إلى مناطق وبيئات أخرى وخلق مربّعات مماثلة فيها ، في انتظار الظروف المؤاتية لربطها في حالة سياسيّة أمنيّة متكاملة .
هذا هو بالتحديد ما يقوم به “نموذج” الضاحية الآن ، بدءاً بالخطّة الأمنيّة التي أوكلها “حزب الله” إلى أجهزة الدولة تحت إشرافه الدقيق ، وصولاً إلى المربّعات المتغلغلة في عمق المناطق “الأخرى” .
وفي جولة ميدانيّة سريعة خارج الجنوب ، يتبيّن مدى تغلغله في صيدا ، وأحياء بيروت ، وساحل الشوف وعاليه ، وساحل المتن ( الرويسات والزعيتريّة والنبعة..) ، وفي فتوح كسروان ، وأعالي جبيل ، وشبكة قرى في البترون والكورة ، فضلاً عن بعض طرابلس وعكّار ، إلتفافاً إلى شمال البقاع ووسطه وجنوبه ، وخطوط القمم .
وليست “سرايا المقاومة” سوى وسيلة من الوسائل المنظورة تجوز فيها المساومة والمناورة والبيع والشراء كما يحصل في صيدا ، بينما غير المنظور عمل مخابراتي ومنهجي واسع وخلايا نائمة أو يقظة ، غير قابلة للنقاش أو المقايضة .
الأشدّ خطورة في هذا الإنتشارهو التطبيع الحاصل ، إمّا بالتخويف والإكراه وإمّا بالترغيب ، أو بفعل الإعتياد والتساكن مع الأمر الواقع . ويُمكن تسجيل 3 حالات من هذا التطبيع :
– في الضاحية مثلاً ، ما يحدث تحت ستار الخطّة الأمنيّة هو تطبّع أجهزة الدولة بسلوك “حزب الله” ، وليس العكس . فبدلاً من إدخال ثقافة الدولة والمؤسّسات إلى بيئته ، يُلاحظ تغاضي الأمن الشرعي عن اللاشرعي وتجاهل المخالفات المحميّة وإهمال الأنظمة والقوانين . وأسطع برهان هو التخلّي الكلّي عن مهمّة القبض على المتّهمين الخمسة باغتيال رفيق الحريري وسواهم في جرائم أخرى ، إلى درجة عدم تداول هذه المسألة بين الأجهزة المختصّة هناك ، وحتّى الهمس بها .
– في ساحل المتن ، يُشبه حيّ النبعة مثلاً حيّ “هارلم” في نيويورك ، وكذلك منطقتا الرويسات والزعيتريّة، ول”حزب الله” اليد الطولى في المعازل الثلاثة . وتزداد نقمة أهالي المنطقة وأحزابها ، لكنّهم لا يُقدمون على التصرّف الذاتي منتظرين الدولة ، بما يُشبه التطبيع القسري ، على نار تحت الرماد .
– والنوع الثالث من التطبيع ، الأسوأ حكماً ، هو سكوت حلفاء “الممانعة والمقاومة” عن كلّ هذه الأخطار بحجّة “التفاهم الإستراتيجي” ، سواء في جزّين أو صيدا أو بيروت أو جبل لبنان وزحلة.. حتّى أنّهم يرضخون للطعنات السياسيّة التي يتعرّضون لها من حلفائهم مرةً بعد مرّة ، ويلعقون دماءهم تحت العنوان الاستراتيجي الساحر .. والأجوف .
بالتأكيد ، هناك قوى سياسيّة وشعبيّة تمانع فعلاً عمليّة التطبيع الجارية على قدم وساق ، وهي الأمل الوحيد في منع سقوط الدولة في الدويلة ، ووقف تعميم “نموذج الضاحية” . نلمس هذه الممانعة الوطنيّة في صمود رئيس الجمهوريّة والرئيس المكلّف ، وتماسك مواقف أحزاب وقوى 14 آذار ، ووعي النخب الساعية إلى دولة سليمة ، وحيويّة قادة رأي وأصحاب أقلام حرّة .
لكنّ المراوحة في المكان والزمان تكون غالباً لمصلحة المهاجم وليس المدافع ، والمهاجم هنا هو “حزب الله”، وخطّته التفريغ ، كي يملأ الفراغ ب”نموذجه” الضاحوي ، حتّى في موقع رئاسة الجمهوريّة .
فلا بدّ من كسر المراوحة عبرتأليف الحكومة الجديدة لوقف مسار التطبيع الخطير، قبل أن يدهمنا الإستحقاق الأوّل .
نحن أمام حالة جديدة إسمها “الضاحية سندروم” ، مركّب سياسي أمني تتداخل فيه وتتناذر أمراضٌ مميتة للبنان الدولة والوطن .
فحذار من تعميمها . حذار من نجاح تصدير الضاحية .