معارضون يؤكدون اضطرابه ويصفونه بملكة انكلترا :
بدأ بتصفية الوطني الحرّ ولم يستطع تسويق باسيل
منذ نشأة »التيار الوطني الحر» لم يكن في حسابات العماد ميشال عون أن يصل إلى مرحلة يُضطرّ فيها إلى تصفية هذه الإمبراطورية التي بناها طوال ثلاثة عقود من الزمن هكذا يصف مصدرمعارض للعماد عون المرحلة الحالية لوضع التيار الوطني الحر ويقول لعلّ وزر نقل التركة إلى من سيكمل من بعده ستكون هي السبب المباشر لإقدام عون على اتخاذ قرار مفاده تصفية «التيار الوطني الحرّ» على طريقة التصفيات التي يقدم عليها أصحاب الشركات لحظة استشعارهم بدنو موعد إفلاس شركتهم التجارية.
وكشف المصدر أنه لم يلاحظ إلا الآن هذا الكمّ الهائل من القلق والإضطراب الذي يعانيه عون في حياته، فهو وصل إلى طريق مسدود، مما اضطرّه لإجراء عملية قيصرية لاستئصال ما أسماه «الورم» الذي لن يسمح بنقله إلى ورثته من بعده. والقصة تعود إلى سنوات مضت، وتحديداً إلى تلك اللحظة التي اختار فيها عون خليفته وقد وجد ضالته في صهره الوزير جبران باسيل، فمكّنه من كل شيء، لكن تاه عن باله أن العلاقات السياسية والوسائل الإعلامية والمال والعلاقات الخارجية، وتحديداً مع اللاعب الأقوى على الساحة اللبنانية، ليست كافية. إلا أن مفارقتين لم تكونا بالحسبان إضطرت عون وبحسب المصدر ورغماً عنه إلى تبديل قواعد اللعبة وانتهاج استراتيجية خطيرة ومخيفة في آن:
ـ المفارقة الأولى يقول المصدر جاءت على خلفية الأحداث في سوريا، والتي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى رحيل الرئيس السوري، وهذا يعني حكماً ضياع عامل أساسي مساعد لتثبيت وتركيز وتدعيم موقع باسيل على الساحة السياسية، خاصة في عملية الإستقواء التي كان يمارسها عون، ليس تجاه أخصامه فحسب، بل تجاه حلفائه في الداخل وهم حلفاء سوريا في آن، والنماذج كثيرة على هذا المستوى، ولعلّ أبرزها إلزام جميع نواب حلفائه الإنضواء تحت لواء تكتله النيابي. وبهذا الأسلوب يستقوي عون على أخصامه الداخليين، ولا سيما المسيحيين منهم.
ـ المفارقة الثانية يضيف المصدر المعارض، وهي لم تكن في الحسبان، وتتمثّل بعدم القدرة على فرض باسيل كوريث شرعي له، إذ أنه لن يتمكن من تسويقه داخل صفوفه الشعبية ومناصريه، علماً أن هذا الأخير يعاني من تململ داخل منطقته الإنتخابية في البترون إلى درجة أن أخصامه داخل »التيار» يتجاوزون أخصامه في المواقع السياسية المقابلة.
وفي هذا المجال، ينقل المصدر المعارض نية عون تعبيد الطريق لوريثه من بعده، وبالتالي إزالة كل العقبات أمام مسيرته، وقد استطاع عون فرض حالة جبران باسيل في 3 محطات كما يقول المصدر وهي:
ـ المحطة الأولى هي في اعتبار باسيل خط أحمر بالنسبة لأي تشكيلة حكومية، طالما أن عون قادر على التحكّم بهذه التشكيلات.
ـ المحطة الثانية تمكن عون من تأسيس إعلام مركزي عبر التلفزيون «البرتقالي» وإذاعة «صوت المدى» والموقع الإلكتروني، مع ما يملك من «مَونة» وتأثير كبيرين على عدد كبير من المحطات الإعلامية التابعة لـ 8 آذار.
ـ المحطة الثالثة هي في تمكين باسيل من القبض على بعض الملفات التي لها علاقة بتأمين إيرادات مالية ضخمة، ولعلّ المشاريع التي استحصل عليها بعد حرب تموز 2006 في إعادة إعمار الضاحية الجنوبية لهي كافية لتحويله إلى ملياردير.
إذاً يملك باسيل اليوم القرار السياسي ويملك الإعلام ويملك المال على حد قول المصدر المعارض ولكنه يفتقد لأهم شيء وهو استمراريته الشعبية داخل صفوف التيار، والتي لم يتمكن حتى اللحظة من إحداث أي خرق على هذا المستوى، لا بل على العكس، إن التشنّج الحاصل والتوتّر المستمر في علاقاته مع الناشطين والكادرات في صفوف التيار تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. وإذا تمكن عون حتى اللحظة من وقف ودرء مخاطر الإطاحة بباسيل عبر صورته المثالية و«مَونته» على الشباب، إلا أنه واثق أنه وعلى حد قول المصدر المعارض لن يأتي أحد من بعده ليتمكن من فرض هذه «المَونة» ومنع الخطر عن جبران، ناهيك عن التنافس العائلي الحاصل منذ فترة داخل المنزل العائلي العوني.
إلا أن الجنرال نفسه يدرك تماماً كما يقول المصدر المعارض تفلّت الأمور من عقالها في عدد من الملفات واصبح عون في بعضها كملكة إنكلترا التي تملك ولا تحكم، ولم يعد بالإمكان تصحيح هذا الخلل وإلا انهار الهيكل وهو يعرف ان تغيير قواعد اللعبة أصبحت محدودة جداً، واشار المصدر الى أن بقاء «التيار» كحزب سياسي قائم بذاته ذو هيكلية تنظيمية وتراتبية أصبح العبء الأساس على التوريث الذي اعتمده عون، وهذا ما لم يفهمه اللواء عصام أبو جمرا والحكماء الأربعة وكل الذين ابتعدوا عن عون لمخالفته أبسط بنود النظام الداخلي للتيار.
ويعتبر المصدر المعارض إن القرار بنسف النظام الداخلي وعدم اعتماده والسير به كان قراراً متعمّداً انتهجه عون عن سابق تصوّر وتخطيط، لأنه أدرك أن ما كان ينفّذه في قيادة الجيش لم يتمكن منه في عالم السياسة والأحزاب. وقد حصلت وتحصل اعتراضات كثيرة وحركات انتفاضية داخل التيار وكلها تصبّ في اتجاه الإطاحة بسطوة باسيل وهيمنته على القرار وتجاهله المقصود لكافة الطاقات وإبعاده أيضاً للرموز السابقة التي قام على أكتافها «التيار الوطني الحر»، إن القرار قد اتخذ بتصفية التيار على طريقة إضعافه شيئاً فشيئاً وترهّل مؤسّساته بحيث عمد عون وبحسب المصدر المعارض، ومنذ فترة، إلى تقوية المصالح الخاصة من شركات ومؤسّسات إعلامية وموارد رزق وتأسيس شركات للإعلان والدعاية، في مقابل إهمال متعمّد ونسف للعمل الحزبي الحقيقي، بحيث لن يكون التيار لاحقاً مؤسّسة حزبية قائمة بذاتها.
في المحصّلة يقول المصدر المعارض ان القرار اتخذ لتصفية التيار بأسلوب مكيافيلي بحيث يبقي عون على «شعرة معاوية» بينه وبين المناصرين، ويمتنع في الوقت نفسه عن إطلاق أية مبادرات إنقاذية حقيقية، أو العمل بموجب النظام الداخلي للحزب، حتى أنه لم يكن متحمساً منذ البداية لفكرة تأسيس حزب، وهو اصطدم بهذا الكمّ الهائل من الأصوات الإعتراضية وإن نجح في محطات بإسكات بعضها عبر توزيع أو توزير أو تعيين، إلا أن الطلبات كثيرة. وعليه تبقى المرحلة الأخيرة للإجهاز على ما تبقّى من هيكلية تنظيمية في «التيار الوطني الحر»، بحيث سيعمد حتماً في المراحل القادمة إلى تكريس توزيع مرشّحيه بمعظمهم من خارج نادي المنتمين إلى »التيار»، وبذلك يبقي فقط على من يكفل ويضمن ولاءه المطلق لجبران. وفي المقابل يدخل أصحاب رؤوس الأموال إلى فلكه السياسي، لعلمه المسبق أن هؤلاء إنما يدخلون ويعبرون إلى جنّة النيابة أو الوزارة عبر ما ينفقوه في سبيل الحصول على الموقع، كما لا يمكن لهؤلاء أن يتمرّدوا على جبران كونهم غير منضوين في صفوف «التيار».