#adsense

عاشوا في الزمن «الصافي»… غنّوا له… وهكذا يتذكّرونه (بقلم رنا أسطيح)

حجم الخط

رحل عملاق الأغنية اللبنانية، لا بل رحل عملاق الفنّ والثقافة والإنسانية والقداسة. غادرنا المعلّم وترك في نفوس كُثرٍ ممّن كان لهم شرف التعرّف إليه أجزاءً من روحه، ذخيرةً تكفي لأجيال ستعيش من بعده في وحدةٍ لا يؤنسها إلّا صدى الصوت «الصافي».

«غاب عالم صوتٍ لن يعود»، هكذا يعلّق الموسيقار الياس الرحباني على خبر رحيل العملاق وديع الصافي أمس. بحسرة وألم لا يقوى على إخفائهما يقول الرحباني في الصافي إنّه «من النادرين الموجودين في الأرض. ومعه ذهب عالم كامل من الجمال لن يعود».

يتوقّف الموسيقار طويلاً عند الأخلاق السامية التي عُرِف بها الصافي، ويروي وكأنّه عاد فجأة سنوات إلى الوراء: «عندما كنت تقريباً في سنّ ابنه وكان عمري 22 سنة، كان هو يعرف عاصي ومنصور جيّداً. وقد طلب منّي في حينها أغنية في وقت كنت لا أزال أتعامل فيه مع فنّانين من جيلي».

ويتابع: «بتواضع كبير ومهيب قال لي: قدّم لي أغنية «على ذوقك»، ولم يطلب ما يتوافق وذوقَه هو. إلى هذا الحدّ كان متواضعاً وعندما جهزت وأردت أن أغنّيها له، طلب منّي أداءَها بطريقتي الخاصّة بهدف تشجيعي. هكذا وُلدت أغنية «يا قمر الدار» التي تجاوز عمرها الخمسين سنة وما زالت موجودة بقوّة إلى اليوم».

ويضيف: «هذه الأغنية ذكرها الموسيقار عبد الوهاب عام 1976 في سوريا أمام 30 صحافيّاً بارزاً، فقال من دون ان يَذكرني بالاسم: تعرّفت إلى شاب يضرب بيده اليمنى الشرقَ طرباً بأغنية «يا قمر الدار» ويضرب باليسرى الغربَ بأغنية «بيني وبينك يا هالليل»».

ويؤكّد الرحباني: «خسرت حقيقة كبيرة من الصعب أن تعود، والحقيقة هي كلّ شيء في الحياة، وغيابها سيهزّ المنطقة الشرق أوسطية كلّها، لأنّني إلى الآن سمعت أصواتاً كثيرة ولحّنت لما يفوق الـ 96 فنّاناً، لكنّ وديع الصافي هزّ الكون وبعده الحقيقة «ضبّت حالها» ولملمت نفسها وها هي تنتظر لسنوات قادمة إن كان سيأتي وديع آخر في العالم الآتي».

إحسان المنذر

يقول المايسترو إحسان المنذر في غياب العملاق: «أنا كشاهد وقائد فرقة «استويو الفن» منذ عام 1980 واجهتُ مشكلة تصنيف الفنّانين الذين يغنّون لوديع الصافي، لم نكن نستطيع أن ندرجهم ضمن فئة الأغنية الشعبية ولا الكلاسيكية، فابتكرنا «مدرسة وديع الصافي» لأنّنا لم نجد أيّ تفسير آخر، بعدما تخطّى الصافي الغناء الشعبي والكلاسيكي وكلّ التصنيفات الموجودة، ليكون حالة خاصّة قائمة بذاتها».

ويضيف: «كما كان هو يقول: «لوين يا مروان… تارك أهلك؟» أقول أنا: «لوين يا وديع تارك هالناس ميتّمين وراك؟»، تاركاً كلّ هؤلاء الذين علّمتهم الغناء».

ويتابع: «وديع الصافي فنّان شامخ، وهو عامود من أعمدة الفن، وقد أسماه عبد الوهاب صاحب الصوت الصافي، وهكذا تغيّر اسمه من وديع فرنسيس إلى وديع الصافي. يجب أن نقول إنّ هذا الفنّان كان خارقاً في الغناء، وأنا أذكر جلساته معي في أيّامه الأخيرة، فمنذ أشهر قليلة جاء يسجّل ترنيمة لديّ في الاستوديو، وكان يعزف على العود ويرنّم، ممّا يدلّ على تفانيه حتّى آخر لحظة في حياته من أجل فنّه.

يمكن القول إنّه شهيد الفن. يُحزننا أن يغادرنا المعلّم الكبير. ولكنّنا على ثقة مِن أنّ مَن منح الناس كلّ هذه السعادة لن يكون إلّا في جنان الله الجميلة. وديع الصافي قدّيس الفن».

معين شريف

الفنّان اللبناني الذي وُصف بأنّه أفضل مَن غنّى لوديع الصافي، يقول إنّه لم «يكن مثالاً فنّياً بالنسبة إليّ وحسب، وإنّما العلاقة بيننا توطّدت لتصبح علاقة عائلية بكلّ ما للكلمة من معنى. الخسارة كبيرة جداً ولا تعوّض. والأستاذ وديع علمٌ من أعلام لبنان والوطن العربي. وعلامة فارقة في الفنّ والثقافة والفكر والإنسانية لن تتكرّر».

ويضيف: «برحيله خسر لبنان جزءاً عزيزاً منه. هو فنّان لا يمكن أن نختصره بكلمات أو بعناوين أو بألقاب. لقد التصق وتماهى بلبنان حتى بتنا نشعر أنّنا عندما نسمعه نسمع لبنان نفسه يغنّي. ولا تكفي أنهرٌ من الدموع الغزيرة لتعبّر عن الخسارة التي نشعر بها، والحزن إزاء رحيل هذا العملاق القدير من لبنان».

كلوديا مرشليان

تؤكّد الكاتبة المعروفة كلوديا مرشليان التي انتهت من كتابة سيناريو فيلم عن حياة العملاق اللبناني: «كان لي الحظ والشرف أن أعمل معه وأتعرّف إليه عن كثب في أيّامه الأخيرة. إنّها خسارة كبيرة، فنّية وشخصية ووطنية. رحمه الله. ربّما يلزمنا 6000 سنة لاحقة ليأتي وديع صافي آخر».

وتضيف: «عندما كتبت الفيلم كان وديع الصافي موجوداً وكان هو برَكة العمل. أشعر الآن بالحزن، ولكن بالتأكيد سنواصل العمل على الفيلم بنفس القدر من الحب والاندفاع، ولكنّ مسؤوليتنا صارت أكبر، لنُظهر هذا العملاق بالصورة التي تليق به».

وتختم قائلةً: «وديع الصافي سيترك فراغاً رهيباً لم نكن ندركه، ولكنّنا سنشعر به بعد رحيله. فحتّى عندما كان مريضاً، كان يكفي أنّه حاضر بيننا. أمّا الآن فقد فقدناه وتبقى لنا أعماله الخالدة».

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل