لا يقدم لبنان نفسه الى العالم حالياً، وبالرغم من أزماته المتعددة التي يحتاج فيها لمساعدته، الا على الشكل الذي يخجل منه المرء:
ـ في مواجهة مئات آلاف النازحين السوريين الذين يزداد عددهم كل يوم، والحاجة الماسة لايوائهم وتعليم أطفالهم ومعالجة المرضى منهم، لا يملك لبنان ما يقوله لمن يريد مساعدته على سد هذه الحاجة من الدول وهيئات العالم الاغاثية انه ينتظر اتفاق القوى والأحزاب السياسية فيه على تشكيل حكومة تقبل هذا العون، وأن على من يريد تقديمه أن ينتظر معه.
ـ بالنسبة للسياح، العرب منهم وغير العرب، الذين انقطعوا عن زيارة لبنان نتيجة تردي الأمن أو خشية تعرضهم للخطف والمبادلة بدفع فدية مالية، لا تقول دولة لبنان الا أنها تتمنى أن تتمكن من انهاء معضلة الأمن الذاتي في بعض المناطق، ووضع خططها الأمنية المقترحة للمناطق الأخرى قيد التطبيق العملي، وتفكيك شبكات التفجيرات المتنقلة والارهاب والاغتيالات في البلد كله، وأن على السياح وعلى دولهم التي تدعوهم لعدم السفر الى لبنان لهذه الأسباب أن يتمنوا معها أن تتمكن من انجاز ذلك.
ـ في ما يتعلق ببطالة مجلس النواب منذ انتخابه العام 2009، والذي مدد لنفسه لسنة ونصف السنة تحت عنوان وضع قانون جديد للانتخابات من دون أن يفعل شيئا لهذه الجهة بالرغم من مضي نحو نصف فترة التمديد المشار اليها، ليس في يد لبنان ما يقوله للبنانيين، وللعالم الخارجي طبعا، الا انه يتوقع من المجلس أن يجد عملا له من جهة، وأن ينفذ المهمة المناطة به لجهة اقرار قانون جديد للانتخابات(أو يعلن عجزه عن ذلك، كما هو منتظر) من جهة ثانية، وأن على اللبنانيين كما على العالم المهتم بهذه المسألة أن ينضم الى جموع المتوقعين.
ـ في موضوع الأزمة الاقتصادية الخانقة، وما تولده من بطالة واضرابات واعتصامات وافلاسات واقفال محال وشركات وارتفاع سقف الدين العام وشيوع الفساد وأعمال السرقة والنهب والهجرة غير الشرعية، لا تجد الدولة ما تقوله الا أن الأزمة دولية…لافتة تبرير العجز المعتادة، متجاهلة أنها لم تقم بأية محاولة من ناحيتها لمواجهة هذا المأزق لا في الداخل ولا مع الخارج الذي كان يمكن أن يساعد على التخفيف منه في أكثر من مجال وعلى أكثر من مستوى.
ـ أما بالنسبة لاستحقاق الانتخابات الرئاسية في أيار المقبل، أي بعد ما يقرب من سبعة شهور من الآن، فليس لدى اللبنانيين(والعالم طبعا) ما يسمعونه من بعض زعمائهم وقواهم السياسية الا أن الخيار بين واحد من ثلاثة: اما انتخاب فلان بالذات رئيسا للجمهورية في الموعد المشاراليه، أو عدم الاتفاق على رئيس في هذا الموعد وبالتالي السقوط في الفراغ، أو تعمد تشكيل حكومة “تمثيلية” طائفياً ومذهبياً وجمهورياً منذ الآن تكون “مهيأة وطنيا”(أي كاملة المحاصصة السياسية) من جهة، وقادرة على ادارة الفراغ طيلة فترة ما بعد انتهاء المدة الدستورية من دون انتخاب رئيس للبلاد من جهة أخرى.
وبين هذا الخيار وذاك، تتعامل الدولة ومعها رجال السياسة وكأنه ليس مهماً البتة ما يردده البعض يوميا من أنه “لا لبنان من دون المعادلة الثلاثية” (الجيش والشعب والمقاومة)، وأنه اذا كان أحد يفكر في امكان تشكيل حكومة من دون هذه المعادلة “فان عليه أن ينتظر الى ما شاء الله”، وأن سلاح “حزب الله” الذي لم يوجد أصلا لكي يقرر أحد غير قيادته مصيره يمكنه أن يدافع عن نفسه كيفما يشاء وفي كل مكان يشاء في العالم…من لبنان نفسه، الى سوريا، الى بلغاريا والفيليبين، الى غيرها من بلاد الله الواسعة.
هذا اللبنان، الذي من دون حكومة ولا مجلس نواب ولا أمن عام أو خاص ولا بالتالي مستقبل يمكن للمرء أن يركن اليه، ليس صحيحا أن معاناته على المستويات كلها هي انعكاس لما تعانيه المنطقة من فوضى أو عدم استقرار كما يحاول البعض من ساسته أن يقول تبريرا للتخاذل المتعمد من قبلهم والعجز الكامل حتى عن محاولة البحث عن حلول أو ربما مسكنات.
من يمنع هؤلاء الساسة من تشكيل حكومة بعد سبعة شهور من استقالة الحكومة السابقة وتكليف من يتولى المهمة بشبه اجماع، أو تفعيل البرلمان بعد قراره التمديد لنفسه بدعوى تعذر اجراء الانتخابات النيابية، أو حتى فرض الأمن ومنع الاخلال به من أكثر من جهة وفي أكثر من منطقة؟. هل المانع هو عدم استقرار المنطقة أم أن المسألة مجددا هي التخاذل المتعمد، حتى لا نقول التبعية المطلقة، وتعليق الأمر على مشجب ما يحدث في المنطقة…وفي سوريا تحديداً؟.
الواقع أن ما سبق هو ما يردده اللبنانيون في الشارع وفي بيوتهم ومجالسهم، ولا فضل لكاتب هذه السطور سوى أنه نقله عنهم.
وتلك، في الحقيقة، هي المأساة…مأساة ألا تعرف الدولة ومؤسساتها ما تقوله الناس عن حالهم وعنها، وأن تفعل بعد ذلك، اذا فعلت شيئا في النهاية، كل ما يتناقض مع هذه الحال.
ما يقوله الناس عن بلدهم.. ودولتهم المفترضة!
المصدر:
المستقبل