من شمخة تومات نيحا الشوف ومقام النبي أيوب وتومات جزين.
من حرمون والبقاع، ووادي بسري ومدن الساحل العريق.
من هضبات الجنوب الصامد وضيائه، وتلال المزارات في كل لبنان.
من الاودية المقدسة المهيبة.
من قنن الجبال وعرائس الثلوج وسأسآت الينابيع وكرم الشلال وانبساط السهول؟
من اخضرار الأرز والسنديان والشربين والصنوبر واللّزاب والعَزْر.
من سندس المراعي والبساتين، من ألوان الأزهار وأريجها، وزرقة السماء والبحر.
ومن مواهب الله في الطفولة والرجولة والكهولة والشيخوخة. تشبّعت حواس وديع الصافي وارتوت رئتاه من إكسير جمال هذه الارض وناسها وهذا الجو، ولا انقى، ومن غرام بلبنان ولا أقوى، ومحبة للانسان ولا اشرف.
وصدحت بها جميعاً باقة اوتار سماوية، وحنجرة ندر ان وهب الله انساناً مثلها.
فغنّى الحب والطبيعة، وقيم الرجولة والشجاعة، والهجرة المضنية، والحنين القاتل، وحبّ الوطن المحيي، والتعلق بالارض والطموح، والأناشيد الوطنية والدينية الحماسية، والتراتيل الخاشعة، بكلام مهف وألحان مؤثّرة، تفعل فعلها في السامع فيتماهى مع صاحبها، ويتنقل معه الى سماوات العبقرية والتمتع والخشوع، ليعود انساناً آخر: مقدوداً من صخر أصمّ، او من ينبوع عطاء، أو من زهرة ندية عطرة، او من غربة مرة، الى سلام نفس، وبراءة روح، ومحبة كبيرة لا تعرف سوى الايمان والتعبّد والصفاء والتفاؤل والعزم.
وَسَمَ وديع الصافي، بفنه، قرناً كاملاً، فيقال: عشت في عصر “ابو فادي”. أحيا الفن اللبناني، واشتهرت معه اغنيات التراث والقيم في الغناء العربي والعالمي، واشترك في مزاوجتها الألحان البلدية الغربية، وعرف بحضنه الفنانين الناشئين وبالاستماع اليهم ونصحهم وتشجيعهم، بتواضع وود لافتين، قل نظيرهما.
تمتع المستمعون بأدائه الساحر وبمحبته الغامرة، لكونه افضل معبّر عن حالات الانسان، وأفضل معزّ، وأجرأ متفائل، وأخشع متعبد، وأقوى من ثبّت انساناً في لبنان، او في اوطانه الخاصة، وأحنّ من دعا مغترباً الى الإياب، فبسط، بكنارته، شمس الحق والمحبة والسلام وقيم الاباء والعنفوان، حيث حل، في لبنان والعالم، ماحياً الحدود ونقائص الانسان، فأدخلنا ملكوت – جنات عَ مدّ النظر، ولبنان يا قطعة سما وغيرهما – وهي صور عن جنّات الله في فردوسه.
رحمك الله يا “ابو فادي” اذ تستعيد الحياة ترابها. لكن طيفك البشوش وصداحك وانتاجك، واوتارك – التي لا ينقصها سوى نفحة نسيم لتعود فتسكر – ستظل متغلغلة في مسام البشر والارض تحثّهم على: صقل الذوق وتمتين الوطنية ونشر الانسانية ورعاية البيئة، ليتعرّف الانسان الى شيء من روعة الجنة.