
الجسد، إن رحل، يصيب المرء بشرخٍ رهيب، ولو عصت الروح على الانتهاء. الكبير وديع الصافي تغلغلَ في الحياة، بينما يُرثى عبر الشاشات و”رسائل التواصل الاجتماعي”. تجمّل بعض نشرات الأخبار من أجل مَن قبّل الجبل واتحد به. إلا “المنار”. إثمٌ وحرامٌ ذِكرُ رحيله في سطر.
يفنى البشر حين يُنسَون، الأحياء منهم والأموات، برغم الألم الذي يفرضه غياب الجسد على المكان والنفس. بقي وديع (فرنسيس)، في ليلة رحيله، حياً يفوق الأحياء نبضاً وتشبّثاً بالأرض. إضافةٌ للأقلام عذبُ الكلام فيه. “المنار”، بغيابها المُتعمَّد عن رحيله ولو بخبر عابر من باب رفع العتب، إنما تكرّس انفصالها عن “الجسد” اللبناني، ثم المجاهرة بعدم الاكتراث لأي نقد طالما قد تراه “تشويهاً منظّماً” للمقاومة عبر “الشعلة” الناطقة باسمها.
صِدقُ الجُمل كُتبت في الصافي، وتخللت الريبورتاجات أغنيات رافقته الى الأبد: “يا قمر الدار سلّم عالحبايب”، بداية تقرير شادي خليفة عبر “الجديد”. افتتحت المحطة نشرة ليل الجمعة بالرحيل الحزين، ووصل خليفة الى نزل العائلة يسأل نجل الكبير جورج الصافي عن كلمات أبيه الأخيرة: “أنا رايح لعندو”. الـLBCI في تلك الليلة، بدت أقلّ حرصاً على المتابعة. لم تسعَ للتغطية من “Bellevue”. الـMTV والـOTV، ولا سيما “الجديد”، سبقتها الى اللحظة الفاصلة ما بين انسلاخ الجسد عن الروح استعداداً لخلودها.
لتصغير بعضهم، اعتمدت الـOTV في مقدمتها مساء السبت، اسلوب المقارنة: “مَن يصدّق ان بلداً ينجب عمالقة مثل وديع الصافي وعاصي ومنصور الرحباني وزكي ناصيف ونصري شمس الدين، يفتح أبوابه في المقابل لرعاع وشذاذ وأبواب النشاز”. الاتجاه: “تحطيم” الخصم معنوياً، قبل الرثاء. لم يفت الـNBN انه “غنّى للعروبة ودمشق والقاهرة وبغداد وفلسطين”، وقالت في وداعه: “غبتَ وقلبك على وطنك. صوتك لن يغيب”. ربع ساعة مرّ على نشرة أخبار “المستقبل” مساء السبت من دون ذكر الرحيل. المقدمة لإنجازات شعبة المعلومات وأمن طرابلس. ثم ريبورتاج بمثابة رثاء ونبذةٌ عن العطاء. ضعيفٌ الجهد مقارنة بالأعمال الأصيلة للراحل الكبير، لكنه يساوي الكثير أمام مقدّمة “المنار”: “40 قرية في ريف حلب، بلدتان في ريف دمشق، وتقدّم في دير الزور، انها حصيلة أولية لإنجازات الجيش السوري اليوم والحبل على الجرار”(!). كم تبدو فجّة سياسة الاجتثاث. يُقتلع الخبر من جذوره لكأنه يُطهَّر، ودائماً وفق خطّة “انتقاء المعلومات المناسبة” لجمهور “زمن الانتصارات”!
حيٌّ أرشيف “تلفزيون لبنان”، كُتب أعلى الشاشة “وداعاً وديع الصافي”، وعانقت ليلة رحيله حضورَه التام في حنجرة من ذهب، فاستُعيدت أغنياته. “غلبت الدمعة على الصافي بهجة العيد”. مؤثرةٌ المقدّمة ببساطتها. وكذلك مقدّمة “الجديد”. تضمّنت ما فيه بُعدٌ، يشبه ابن نيحا وهو يرحل في الـ92: “ثمة من رأى الجبال تبكي صديقها”. وكان عتبٌ غاب عن النشرات: “الدولة ما ذرفت دمعة واحدة، ولم تنكّس علماً، ولم تلبس ثوباً أسود، بل اكتفى روّادها بالتغريد افتراضياً لرجل غرّد واقعياً وسمعته طيور الأرض”.
من أغنياته، اختارت الـLBCI السطور الأولى للمقدّمة، ورأت في الرجل منارة لبنان، الوطن الذي “في يومياته السياسية والأمنية ليس قطعة سما على الاطلاق”. أعادت “الجديد” حلقة “ألو بيروت” معه ونجليه، والـLBCI أعادت حلقة “Coke Studio”، وسواها. مررت الشاشات أغنياته بتقطّع، واستمرت البرمجة كعادتها. الـOTV صبغت اللوغو بالأسود، وأكملت الصبحيّة بأسئلة المشاهدين لبرّاجة، قبل أن تسترجعه في “أوف”. “تلفزيون لبنان” جَمّل الحزن بصوتٍ من جذع الأرز: “رح ضل معكن هون مهما صار (…) بالهوا، بالريح، بالنسمات”.
