ماذا يمكن أن يقال في وديع الصافي، أكثر مما “قاله”، هو، بصوت الأغنية؟ نزعم أننا لن “نقول” شيئاً، بل سنكتفي بأن “نرافق” الصوت ليس إلاّ، بمحض تأويلات تسعى إلى أن تكون تحية متهيّبة للحنجرة – الظاهرة.
… للصوت طبقات، بعضها على الوجه الذي يُرى ويُسمَع، وثانيها المخترِقُ الفائق الصداح، أما بعضها الثالث فلا قعر شفيفاً له. وصولاً إلى ما يوازي بالأذن الرنوَّ بالعين. إلى أن تصير الثلاث الطبقات أربعاً، بذاتها، لحظةَ حدوثها معاً وفي الآن نفسه، وليس بتأثيرٍ من عاملٍ يضغط عليها من خارج.
في الطبقات الأربع هذه، مراتب وأحوال، لكلٍّ منها ما يجب تلمّس الفوارق الجمّة فيه تلمّساً لا سبيل إلى اكتناه مكوّناته وأليافه بالعلم أو بفقه الصوت. كاللون الواحد الذي هو ألوان. وكالنظرة الواحدة التي هي جملةٌ من النظرات وتأويلاتها، مما لا يؤخذ بالعدّ بل بالوجد أو الوجدان.
وإذا كان للصخر، هو الآخر، طبقاتٌ، بعضُها الليّن المطواع، وبعضُها الكثيرُ العصيُّ المستنفرُ النافرُ العنيدُ المعاندُ القهّار، غيرُ القابل لتفتيتٍ أو لتجريح، فليس ذلك سوى تشابيه تلائم صخرةَ الصوت، وهي تذهب مذاهب شتّى في التلوين، تغميقاً وتفتيحاً، كما تذهب في السائل السائب المنسال منها، مصفّى كروح الذهب، أو في الصَّلب، مقدوداً، جارحاً، ومتكابراً، إلى حيث تتآخى الكثافات كأنها معدنٌ ليليٌّ، مجموعٌ بعضه على بعضه، ويستحيل تفسير كنهه بالضوء أو بسواه من نقائض وضحكاتٍ وجروح.
وليس الصفاء سوى طبقاتٍ ومراتب. فبعضه لا يُرى بالحواس، ولا بالمجهر مهما يكن مبحلقاً أو مثابراً. وبعضه الثاني يُصلّى بالشفاه، إو الإيماء التي تحدسه الأذن. وبعضه الثالث يؤخذ بالخفر، على مثال الغيوم إذا انحلّت وصارت شبه مياه. وبعضه الرابع – وهو كثيفٌ ومدرارٌ كالتشلّق الصخري، وعلى السجيّة والمزاج حكماً وحصراً – على غرار الأفراس البرّية إذا جُنّ جنونها، فأفلتت من عقالها، وأحبّت أن تتجامح وتتوحشن، انسياقاً مع النزق الماجن الذي يستولي، فيصبح هو الصاحب والمقام، ولا يكون له قوامٌ جليل إلاّ إذا سأل الصخرَ الصافي أن يتكسّر عند صداه، مثلما تتكسّر أمواجٌ عاتياتٌ في الخضمّ الجريح. في الحال هذه، من شأن الصفاء أن يصير كالعرق المثلّث، فيفور ويستفزّ ويشرئبّ، كمن ينتر مخلاً، أو يربّع جرساً، أو ينده سماءً لتنحني كبرياؤها على… كبريائه.
أهي حنجرةٌ هذه التي تتشلّق، فتشقّ الأجواء العاليات، أم إزميلٌ يحفر في كبد الهواء، ما يُستحسَن تسجيل إيقاعاته وأنساقه، كما على شاشةٍ من النبضات؟ لأنه ليس بميزانٍ يقاس هذا الصوت بالذات، بل بالذهول المنصعق والاستسلام.
فيا لمشقّة الفيزياء، إذ تنفلت معادلاتها من صوابات العقل لتجنح صوب ما يستساغ اعتباره إرهاقاً خلاّقاً للتفكيك! آنذاك تتحوّل الفيزياء إلى صيرورة، كما يحلو للكيمياء أن تفعل بالأجسام حين تتخالط، وفق نسبٍ وأحجامٍ، ليس الصوت ببعيدٍ عن مفاتيح مواجعها، إذا كان من طينة الصوت الصافي.
فهذا هو الصفاء كلّه، متدرّجاً، صعوداً ونزولاً، حيث الصعود واصلٌ إلى ما يمزّق حدود المقاييس المرسومة للتصعيد، وحيث النزول واصلٌ إلى ما ليس تحته من نزولٍ في رقّة الصمت؟! أي هناك، فوق وتحت، وفي التنقل المخترع طبقاته – ولا نشاز – ما يصعب تناوله بالقانون الأقصى والأدنى، أو بمفاعيل الجاذبية الصوتية واقتناصاتها، العلوّ العالي فيها، والخفيض!
فإذا قيل صفاءٌ، فلا يكون إلاّ بالمراتب هذه مجتمعةً. كأن المقامات جميعها تتآخى وتتزامن في الواحد الصافي المجترَح. وهذه منّة لا تكون بالمراس، ولا بالعلم، بل فقط بالطبع والطبيعة. فليس لصاحب الصوت، إذا كان على هذه الحال، يدٌ في صوته، وإن تدرّب على التهذّب والتشذيب والترويض. فهناك ما يصعب إخضاعه لدربةٍ تُهذّب، مهما تكن عارفةً وذكية ومجرِّبة، لأنه لا يكون في طبع الصوت أن يخضع لمثل الدربة هذه. لأن الدربة تخضع للنسبة، وطبع الصوت هذا، خارجٌ على النسبة. ولا جدال. فهل، يا ترى، لغريزةٍ أن تصبح عقلاً، أو لعقلٍ أن يتخلّق بأخلاق غريزة؟!
ثمّ، لهذه الغريزة موهبةٌ تتخطّى مواهب العقل بمراتبه كافةً. كغريزة الصخر بالذات. فأيّهما، يا ترى، أكثر تأويلاً، واجتراحاً، وإغواءً، ورونقاً، وكبرياء، وعنجهيةً، ولطفاً رقيقاً لا يكاد يُرى ولا يكاد يسمَع: الصخر هذا، أم اصطناع صفة الصخر بوسيلة الإسمنت المسلّح؟!
كهذا الفارق المرهف، بين الصناعة التي تجتهد، والطبع الذي يفوح من تلقائه.
كهذا اللقاء الجميل والقاتل بين الهائل القوة والهائل العذوبة.
وله في ذلك، كالصخر، مراتب ليّنات، وشقيقاتها التي من طينةٍ، كتلك التي يستحيل تفتيتها بالأزاميل.
* * *
لا أحبّ وديع الصافي في الكثير الكثير من أخطائه وخطاياه، وهي مدّعية ومستبّدة ومتذاكية. وقد “ارتكب” ما لا يُغتفَر ربما، في الغناء نفسه، وخصوصاً حين راح يمعن “زاعماً”، “متفلسفاً”، و”معقلناً” موهبته الغريزية الخارقة، معتقداً أنه يحقّ له أن يفعل ما يفعله العظاميون المستبدّون، المصابون بأمراض الفصام والبارانويا والعظمة. لا بأس. هي محض إشارة لا بدّ منها.
ولا أحبّ وديع الصافي في الكثير الكثير من أخطائه وخطاياه، وخصوصاً حين راح “يوظّف” هذه الموهبة الغريزية الخارقة، و”يسخّرها”، و”يستعبدها”، مجرجراً إياها على الأعتاب، لتكون مراتبُ صخرها وأحوال صفائها في امتداح الأصنام والتماثيل وأسياد الاستبداد العربي. وما أكثر هؤلاء في حياتنا اللبنانية والعربية. هي أيضاً محض إشارة لا بدّ منها.