وصاية… وربيع بلا جامعات

بعد أكثر من عامين ونيف على انطلاق ما سمي اصطلاحاً الربيع العربي، لم تشهد الجامعات تغييراً كبيراً في الدول التي انتفضت شعوبها في بداية العام 2011. كانت معظم جامعات الدولة أو الجامعات الحكومية في الدول العربية تخضع للسلطات الأعلى، من تعيين رئيس للجامعة الى التدخل في مختلف شؤونها، الى التمويل وآلياته. أما الجامعات الخاصة فلديها أنظمتها واعتمادها ومرجعيتها التنظيمية والجامعية والأكاديمية. حصل تغيير، في بنية الجامعات الحكومية، لكنه لم يشكل تحولاً في تركيبتها وفي الوصاية عليها وفي إخضاعها لموجبات السياسات التي تضعها الحكومات.

كان ينظر الى الجامعات في العالم العربي، او على الاقل في الدول التي تحتضن جامعات مهمة، والتي كانت مرشحة لتلقي التغيير، أنها ستكون شرارة الربيع وحاضنة شبابه، ومطلقة الافكار الجديدة المتنورة. لكن الشارع سبق الجامعات، وان يكن شبابها وطلابها طليعة الحركة التغييرية، رغم أن الأمور تلونت بعدما سلك الربيع طرقاً وعرة ومسارات مختلفة. فالتغيير في جامعات نحو 16 دولة عربية، من بينها لبنان، لم يسمح بإعطاء الجامعات استقلاليتها، أو تحولها الى جامعات أكاديمية ديموقراطية، باستثناء ما حصل في جامعات مصر وتونس، قبل التطورات التي حصلت اخيراً.

واذا كان لبنان، بجامعته الوطنية الوحيدة متقدماً على كل الدول العربية في الهامش الاستقلالي لجامعته، الا ان رياح التغيير لم تعصف إيجاباً في استعادة استقلالية الجامعة اللبنانية، بينما شهدنا تغييراً جدياً ومهماً في جامعات مصر مثلاً، والى حد بعيد جامعات تونس، وتطوراً في الأردن، فيما تثبت جامعات المغرب أقدامها في حد مقبول من الاستقلالية. ففي الدول العربية، يعين رئيس الجامعة بقرار أعلى بلا استشارة أو ترشيح أكاديمي، ما يعني أن الجامعات العربية مرجعيتها سياسية، وهي غير مستقلة، انما مساحة نفوذ سياسي للحكومات، والقوانين في هذا المجال لا قيمة لها. أما ما حصل في مصر، انه تقرر العام الماضي انتخاب رئيس الجامعة من مجمع انتخابي، كذلك انتخاب العمداء ورؤساء الأقسام. وحصل هذا الامر في تونس أيضاً، فبات رئيس الجامعة والعمداء ورؤساء الأقسام ينتخبون، وتمثل الطلاب أيضاً في المجالس.

والتغيير المشار اليه يؤسس لمرحلة جديدة في الجامعات الحكومية العربية. لكنه لا يلغي المرجعية السياسية وسلطة الوصاية، ما لم تبلور أجندات للتعليم العالي تفتح آفاقاً أكاديمية جديدة في البحث العلمي والاجتماعي والانساني والفلسفي والأدبي، الى تنويع الموارد المالية، كي لا تبقى أسيرة الوصاية السياسية. أما لبنان، فلا يمكن القفز فوق ما حصل لجامعته الوطنية وما حل بمجالسها الأكاديمية، وان كنا نعلم أن التعيينات تقررها الحكومة سياسياً. فالتغيير يستلزم نزع الوصاية، الى سؤال كيف تدار الجامعة؟ وكيف تطبق معايير أكاديمية راقية في التعليم والبحث؟ وكيف تختار اساتذتها وتنتزع استقلاليتها؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل