ما تشهده علما، جارة زغرتا، يلخص المشهد اللبناني بكامله: طرف يعتقد أن شراكته في ملكية أرض تخوله أن يفعل فيها ما يشاء، بحجة أن عائلته تكبر، وتحتاج إلى مسكن إضافي. يستقوي بأسهم في ملكية ليفرض مصالحه، ويتجاهل الآخرين.
ماذا تفعل شبه الدولة؟ تتدخل قواها الأمنية لتصوّب الأمور، لكنها لا تتدخل لأنها قوية، بل لأن الطرف المخطئ ليس من نمط “الأهالي” الذين يصنفهم “الحزب الحاكم” بأشرف الناس، وبكل ما هو على وزن أفعل التفضيل.
انتشر خبر علما، وبطولة الدولة، في ظلال “بادرة” من وزير الداخلية، رخّصت، ضمنا، لمخالفات البناء في المشاعات وأملاك الغير، بمجرد إعلانه ترك الأمر للبلديات، التي لها أن تستعين بالقوى الأمنية إن ارتأت، حسب قراره، وما أدراك ما البلديات، والتسيب، والتفلت اللذان يتفرج عليهما بعضها لعجز، احيانا، ولترتيب مصالح أكثر الأحيان. الوجه الآخر لقضية علما، تنامي الاستقواء بالجماعة على حساب القوانين، ليس من جهة الناس، وحدهم، بل ايضا، من جهة المكلفين تطبيقها. يشهد على ذلك ما نشر، بالصور، عن تعذيب موقوفين بشبهة، وليس بتهمة، وعن استقواء أمنيين بعضهم ببعض، ولشؤون خاصة، يصل تدنيها إلى التنافس على استمالة حسناء.
هي “الأنا” المنتفخة المتماهية بين الفرد والجماعة، في ظل دولة عليلة. وكلما ضعفت الثانية، تضخمت الأولى وتمظهرت، ولا سبيل إلى عكس المعادلة، مهما أصر “الأمين العام” على زعم أن سلاحه ليس ضد الدولة، ولا آمرا في الداخل، وأن تورطه في القتال في سوريا، والتزامه أوامر ايران، لا علاقة له بقضم هيبتها وسلطتها.
تذرّر الدولة نتيجة طبيعية لسلاح خارج قرارها، يشجع، تلقائيا، أي مستقو عليها، من الحاجة حياة، إلى جماعات الخطف والفدية، وقطع الطرق لأي سبب، ولو كان تافها، كما فعلت عائلة لاعب كرة قدم دين بقبض رشى ليخسر منتخب لبنان في تصفيات كأس آسيا، فمنعه الاتحاد الدولي من اللعب مدى الحياة.
لكن مظاهر التذرّر، وتضخم “الأنا” لا تقف عند الجماعات. فها هو الجنرال زعيم تياره يصف وزراء تنظيمه السياسي بأنهم وزراؤه هو شخصيا، والوزارات التي يحملون حقائبها بأنها وزاراته، وحتى ملكيته، ويتحدث عن النفط الموعود كأنه نفطه أو من اكتشافاته العلمية المشهودة.
وغير بعيد عن جنرال الإصلاح، يلفت موقف رئيس مجلس النواب من معارضي رأيه في بت أمر التنقيب عن النفط، إذ يرد عليهم بالقول”ما حدا يلعب معي” كأنما الموضوع شخصي يمس كرامة المعني، لا جدال يبته الاحتكام الى الدستور والقوانين.
كل هذه الحالات تلخصها عبارة اللبناني الشهيرة “بتعرف مع مين عم تحكي”؟
ومع أن الكل صار معروفا من الكل، حلة ونسبا، فإن السؤال نفسه يتكرر بصيغ منوعة.