بالأمس، تسنّى لي لأول مرة منذ فترة طويلة، أن أجول مشياً في وسط العاصمة، بعد التعزية بالراحل الكبير وديع الصافي، وقد التقيت مع أحد الأصدقاء على استهجان المشهد الذي يبدو وكأن لعنة أصابته.
لا حركة ، أو حركة خفيفة بلا بركة!
وجوه يصعب وصف سيمائها، ونظرات ترسم علامات استفهام حائرة بين الخوف والقلق. خطوات عجلى، وكأن أصحابها يهربون من مجهول معلوم . بالطبع قلة داخل المحال المفتوحة، فليست المحال كلّها مفتوحة ، والمفارقة أن الكثرة على الأرصفة لا تكلف نفسها عناء التوقف أمام الواجهات حتى للفرجة!
في الأسواق المخصصة للمشاة، والتي حلّت محل الأسواق التاريخية كالطويلة وسرسق وأياس ، بدا الجو مرتاحاً نسبياً، وكأن ما يطمئن هو أن هاجس السبارات المفخخة لا يطاولها!
وسط العاصمة في العيد كان حزيناً. مطاعم ومحال كثيرة مقفلة ، ليس بسبب العطلة، بل أُقفلت بعدما أقفرت. أقفلت نهائياً في انتظار مستثمرين جدد ينتظرون بدورهم دولة وحكومة ودورة سياسية ودورة اقتصادية، والدورة عالبيروح.
أجراس الكنائس وآذان المساجد تلتقي على كسر الصمت الثقيل وبث شيء من الأنس والألفة!
لا ضحكات مجلجلة، لا مراهقين ومراهقات يتناغشون، وكأن العالم حكر عليهم. السواح في خبر كان وأخواتها وصولا إلى بنات الأعمام والأخوال.
ولست أدري إذا كان فادي عبود يخفيهم في عبّه، أو أنه أخذهم في جولات لزيارة مستودعات صواريخ حزب الله، أو متابعة عروض خاصة لفيلم عونك جاية من الله ورايح عند حزب الله!
المشاهد في وسط بيروت لا تدعو إلى كثير تفاؤل!
مواقف السيارات مرحرحة.
بناية اللعازارية الشهيرة تحاكي أبا الهول.
ساحة الشهداء باتت بدروها شهيدة نصف حية، تزنرها خيالات أربعة شهداء كبار : جبران التويني في نهاره الزجاجي البارد . سمير قصير في حديقته ، يبتسم ابتسامة برونزية اتسعت بعد وصول خبر الكيماوي إليه . بيار الجميل في بيته المركزي ورفيق الحريري في ضريحه !
يا لهول تاريخ كتب للتو!
تاريخ بقلم نظام الأسد ولفيف الحلفاء.
… ويريدون إقناعنا بأنه حامي حمى المسيحيين!
السرايا الحكومية تربض مقطّبة الجبين عاقدة الحاجبين بين رئيس يتمشى في الداخل ورئيس يتمشى في الخارج ، وعند العتبة امرأة حبلى بمرسوم ، ولا ينفك المخاض يداهمها منذ نحو سبعة اشهر . الحكيم يريد توليدها ولو قيصرياً ، لكن سليمان غير الحكيم القديم ، يتحفظ ، وتمام يقول بخشية : العملية لن تمر بسلام!
العتمة هي النزيلة الأبرز في الفندق الكبير قبالة النهار.
رياض الصلح في ساحته يسأل، أين أنا؟ هل هذا هو لبنان الذي ناضلنا لاستقلاله ؟ في الأربعينيات من القرن الماضي كان الناس اكثر عدداً والشوارع أكثر ازدحاماً . غريب!
في ساحة النجمة، الزمن لا قيمة له. متنزهون يدورون حول الساعة والساعة تدور وتدور حول نفسها ومطرحك يا واقف. المجلس يغط في نوم عميق ،عناصر من شرطته يحرسون الحيطان، بينما في ظني أن الكثرة في عين التينة ، حيث يتوافر بعض الأكشن!
وسط العاصمة يختصر محنة الوطن.
هذا من فضل حزب الله وسلاحه. ولا تعجبوا إن مانع تشكيل الحكومة حتى لو أُعطي الثلث المعطل ، وتم التسليم بمقولة الشعب والجيش والمقاومة.
الحزب لا يريد حكومة. هكذا الوضع بالنسبة إليه تمام، وبلا تمّام. واللي صايرلو لن يتكرر.
أيها اللبنانيون
لا مجلس نيابيا، لا حكومة أصيلة. وغداً، قد لا يبقى لدينا رئيس جمهورية. وهل تنفع حكومة ربع الساعة الأخير؟ هل نريد تكرار تجربة الحكومتين والحربين؟
ملاحظة أخيرة:
في نهاية المشوار في وسط بيروت. كلمة حق تقال ، ولو لم تعجب البعض: رفيق الحريري حقق ما لم يكن في وسع أحد سواه تحقيقه، ولو بكلفة عالية وثمن غال واعتراضات وخيبات.
وسط بيروت يشبه أرقى المدن الأوروبية، ولكن هاتوا ناساً، هاتوا سياحاً، هاتوا حكومة، هاتوا قرارا ، هاتوا استقرارا، هاتوا ازدهارا.
نغادر وسط بيروت، ومن البعيد يصل صدى صوت يردد:
الموت لاسرائيل في القصير! يا اسرائيل الشلعوطة ، سنهزم جيشك في الغوطة ! والسلام .
